بيان وزارة الثقافة ورابطة الجامعات الإسلامية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية d,l 19-12-2012l   ::   بيان عمان الثاني لعام 1434هـ - 2012م   ::  


هل ترى أن الأوضاع في مصر تتجه للاستقرار؟.
نعم
لا



أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية للأستاذ الدكتور جعفر عبد السلام



   عدد الزيارات

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

جامعة إفريقيا العالمية

المؤتمر الدولي الأول للسيرة النبوية الشريفة

الخرطوم – السودان : في الفترة من 29-30- صفر 1434هـ الموافق 11-12 يناير 2013م

 


أخلاقيات الحرب في السيرة النبوية

 

 

 

 

 

بقلم

أ.د/ جعفر عبد السلام علي

أستاذ القانون الدولى بجامعة الأزهر الشريف

الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية


 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى آله وصحبه الأكرمين..

 وبعد..

إن أخلاقيات الحرب التي وضعها الإسلام تتجلى في غزوات الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقد احتوت غزواته (صلى الله عليه وسلم) على هذه الأخلاقيات فى الممارسة، خاصة غزوات: بدر، وأحد، وحنين، وفتح مكة.

كما تجلت بشكل واضح فى صلح الحديبية؛ لذا سنتناول أخلاقيات الحرب فى هذه الغزوات، ولا شك أن الغزوات الأخرى قد احتوت أيضا على آداب وقواعد مهمة فى هذا الموضوع، لكننا -وحتى لا يتضخم البحث- رأينا الاكتفاء بما ورد فى هذه الغزوات، وسنستخلص منها أهم هذه القواعد والأخلاقيات.

 إن أخلاقيات الحرب فى الإسلام والتى استخلصت من أقوال الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأفعاله فى الغزوات، تعد من الشواهد العملية على رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) وعالمية الدين الإسلامي الذي جاء به من ربه، وسبق الإسلام لإقرار حقوق الإنسان في كل حالاته بما فيها حالة الحرب، قبل المنظمات الدولية بمئات السنين.

 ويستهدف البحث: التركيز على الأفعال والممارسات التى وردت عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هذه الغزوات، والاهتمام بالمقارنة بين أحكام الإسلام بشكل عام وأحكام القانون الدولى الإنساني، الذى سنلحظ فيه التركيز على الجوانب الإنسانية ..

هذا ويتناول البحث مبحثين وخاتمة على النحو التالي:

المبحث الأول: أخلاقيات الحرب كما تجلت فى غزوات الرسول (صلى الله عليه وسلم)

المبحث الثاني: الأخلاقيات التى وضحت فى السيرة النبوية لضبط سلوك المقاتلين، والتعامل مع ضحايا الحرب، ثم خاتمة بأهم النتائج. وبالله التوفيق

 

(رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (الممتحنة4)  

أ.د/ جعفر عبد السلام علي

                                                        أستاذ القانون الدولى بجامعة الأزهر

                                                     الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية


المبحث الأول

  أخلاقيات الحرب كما تجلت فى غزوات الرسول (صلى الله عليه وسلم)

سبق أن ذكرنا أن حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى المدينة قد امتدت إلى عشر سنوات، ولم يؤذن له بالقتال إلا فى السنة الثانية من الهجرة، ففى مكة وخلال السنوات التى قضاها هناك -وهى ثلاث عشرة سنة- لم يشتبك الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع أعدائه فى أى حرب أو قتال، وتحمّل الأذى صابرًا ومحتسبًا، ورفض أن يميل مع الأنصار- فى الحج الذى كانوا فيه، فى العام التاسع من البعثة- على حجيج أهل مني، وقال لهم أنه لم يؤذن له فى ذلك.

      ولكن طوال سنوات المدينة نجد أن الوضع اختلف مع الرسول (صلى الله عليه وسلم)، لقد كوّن الدولة وأعدها للحرب، ولكنه كان يستهدف تعليم الناس الدين، ونشر الدعوة بين العرب وغير العرب، وكان من الطبيعى أن يخوض حروبًا ضارية مع الأعداء، الذين لم يتركوه يومًا دون نزال أو استنفار للحرب، بقصد منع نشر دعوته، خاصة بعد أن صار له دولة وأصبح معه فئة كبيرة من المؤمنين، مستعدين لخوض غمار الحروب؛ دفاعًا عنه، ودفاعًا عن الدعوة، ودفاعًا عن الدولة. لقد قدموا الغالى والنفيس فى سبيل تحقيق هذه الأهداف النبيلة، وفى سبيل نصرة دين الله وإعزازه ونشره.

     لذا، فإن دراسة الغزوات تفيدنا فى بيان التحديات التى واجهت الدعوة، وكيف عامل الرسول (صلى الله عليه وسلم)الأعداء، وكيف تغلب كذلك على صور الضعف البشري، التى تجلّت فى كثير من المواقف، سواء من المسلمين أو غير المسلمين من الأعداء.

وفى هذا وذاك وجدنا دروسًا أخلاقية واضحة، تبين لنا ما يجب أن يتَّبَع فى الجهاد وفى قتال الأعداء. ويعدّ صُلح الحديبية علامة فارقة فى تاريخ الدعوة، وكذلك فى تاريخ الجهاد فى الإسلام. لقد آثر السلم والصلح مع الأعداء رغم التكلفة الباهظة التى تحمّلها فى هذا الصلح، ولكن الهدف الذى تحقق من هذا الصلح كان كبيرًا، ألا وهو: حقن الدماء، حيث فتح الإسلام شبه الجزيرة العربية بدون سلاح، كما مهّد كذلك لتوسيع رقعة الدعوة، وجعلها فى ممالك الأرض القريبة والبعيدة، وأرسل الرسول (صلى الله عليه وسلم) رسله ورسائله إلى كسرى والنجاشي والمقوقص وملك الروم وملوك المناطق المتاخمة للجزيرة العربية، فمنهم من استقبل رسالات الرسول ورسله قبولاً حسنًا، وهناك من صد واستكبر، بل أرادوا قتله (صلى الله عليه وسلم)؛ مما اقتضى أن يجهّز الجيوش لتخرج إلى مؤتة، خارج الجزيرة، وداخل بلاد الروم فى هذه المرحلة الجديدة.

      ويقتضينا ذلك أن نتدارس أخلاقيات الحرب كما تجلت فى كل غزوة من هذه الغزوات.

أولا: أخلاقيات الحرب كما تجلت فى غزوة بدر

تعتبر غزوة بدر أولى غزوات الرسول (صلى الله عليه وسلم) الكبرى، وقد كانت فى السنة الثانية للهجرة، وكان النبى  (صلى الله عليه وسلم) قد سمع بوجود قافلة تأتى من الشام وبها عير لقريش، وكانت قريش قد عذبت المسلمين وناصبتهم العداء، وأخذت ديارهم وأموالهم، ومن ثم، فمن الطبيعى -ووفقًا لقواعد قانون الحرب قديمًا وحديثًا- أن يكون من حق النبى (صلى الله عليه وسلم) أن يسترد بعض أموال المسلمين أينما وجدت.

أقول: إن هناك حالة حرب بين مكة والمدينة بدأتها قريش فى مكة، وقانون الحرب حتى الآن يسمح بمصادرة أموال الأعداء فى حالة الحرب، فما بالنا إذا كان العدو قد بدأ العداء بمصادرته الأموال والممتلكات فى مكة، وعذب المسلمين وأخرجهم من ديارهم؟!

يقول القرآن الكريم: )للْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ( [الحشر:8]. إذن، فالإغارة على أموال مَن صادر أموال غيره هى من آثار قيام حالة الحرب بين الفريقين، فضلاً عن أنها هنا من قبيل ما يسمى الآن فى القانون الدولى بـ "حق الرد"، والذى لا يسمح فقط بأخذ الأموال التى أُخذت أو بالتعويض عنها، بل يسمح كذلك بالأخذ بالثأر، وقتل من قتل من أفراد العدو كذلك.

     فنحن هنا أمام قاعدة قانونية وأخلاقية من قواعد قانون الحرب (1)، وهي: ضرورة المقاومة والرد الجوابى على قتل الأشخاص ومصادرة الأموال، فقواعد القانون والأخلاق الانتصار من الظلم ومقاومة الطغيان بكل الوسائل.

     أما القاعدة الثانية من قواعد الأخلاق فى هذه الغزوة، فهى تتصل بضرورة مشاورة القائد لجموع الناس.. حقيقة هى ليست من قواعد قانون الحرب الحالية، ولكن الأمر يختلف مع رسول وقائد من نوع خاص، حيث كان يحترم عقول أصحابه وأفكارهم، فكان يشاورهم دائمًا، خاصة فى الحروب. يقول تعالي: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران:159]. كذلك فإن جنود الرسول (صلى الله عليه وسلم)كانوا من نوع خاص، فهم فقهاء ومجتهدون.

وبالفعل، جمع الرسول (صلى الله عليه وسلم) أصحابه وشاورهم فى أمر الخروج لملاقاة جيش قريش، بعد أن علم بقدومهم على مقربة من المدينة...

     وتكلم المهاجرون كلامًا حسنًا، وكان منهم: المقداد بن عمرو، فقد قال: "يا رسول الله: امض لما أمرك الله فنحن معك". ولكن النبى (صلى الله عليه وسلم) ظل ينظر إلى القوم ويقول لهم: "أشيروا على أيها الناس". فقال له سعد بن معاذ: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله"، قال: "أجل"، فقال سعد: "لقد آمنا بك وصدّقناك، وشهِدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك".

      فسُرَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقول سعد، ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدنى إحدى الطائفتين.. والله لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم .(1) .

فالشورى هنا مهمة، خاصة مشاورة أهل المدينة من الأنصار؛ لأن الأمر يعنيهم ويؤثر عليهم، فمن مكارم أخلاق الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه يستشير من معه من أهل المدينة، وقد كان يمكنه أن يمضى إلى القتال دون استشارة أحد، لكن الشورى هنا قاعدة أخلاقية، ومن آثارها : إشعار القوم بأنهم أصحاب رأى ولهم كلمة فيما يؤثر على مصالحهم وعلى مستقبلهم، فيمضون للقتال وهم مقتنعون به؛ لأن القرار قرارهم، فيستبسلون فى القتال ولا يدّخرون جهدًا فى بذل كل ما يمكنهم لتحقيق النصر.

     وقام الرسول (صلى الله عليه وسلم) باستشارة أصحابه فى أمر آخر، وهو: المنزل الذى نزل فيه لملاقاة أعدائه، فقد نزل الرسول (صلى الله عليه وسلم) عند منطقة العدوة الدنيا -أدنى ماء من مياه بدر-، فقال الخباب بن المنذر: "يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الحرب والرأى والمكيدة"، فقال: "فإن هذا ليس بمنزل بل الأفضل أن ننتقل بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم فننـزله، ثم نغور ما وراءه من الآبار، ثم نبنى عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون"، فنهض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتحوّل إلى المكان والرأى اللذين أشار بهما الحباب -رضى الله عنه-.(1).

والقاعدة الأخلاقية الثالثة التى طبّقها الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى غزوة بدر وفى كل غزواته، بل وفي كل أعماله، هي: الاتجاه والتضرع إلى الله -سبحانه وتعالي- والدعاء بالنصر على الأعداء. وهنا نأخذ قاعدة مهمة هي: أنه مهما كان الاستعداد والعدة للأمر، والأخذ دائمًا بالأسباب، فإن هذا لا يغنى أبدًا لنجاح العمل عن توفيق الله تعالي، وربما اتخذ ذلك فى هذه الغزوة بعدًا أكبر، لقد كانت الغزوة الأولى فى تاريخ الإسلام، ومن ثم فإن نتيجة المعركة سيكون لها أثر حاسم فى مستقبل الإسلام والمسلمين، وقد عبّر الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك بجلاء فى دعائه حيث ورد عنه قوله (صلى الله عليه وسلم) :  "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذّب رسولك.. اللهم فنصرك الذى وعدتني...".. وظل يناشد الله متضرعًا وخاشعًا وهو يبسط كفيه إلى السماء، حتى أشفق عليه أبو بكر -رضى الله عنه-، فالتزمه من ورائه وقال له: "يا رسول الله، أبشر، فوالذى نفسى بيده لينجزن الله لك ما وعدك"(2).

وأقبل المسلمون أيضًا يستنصرون الله ويستغيثونه ويخلصون له فى الضراعة. (1)

كما نجد من دعاء الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما يرتبط بمستقبل الإسلام، حيث ورد عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد فى الأرض بعد اليوم".

إنها معركة فاصلة ذات أثر حاسم على مستقبل العبادة الحقّة لله -سبحانه وتعالي-، بعد أن تاهت البشرية عن العبادة الحقّة، واتبعت سبلاً مختلفة.

       إن أخلاقيات الحرب فى الإسلام تختلف عن أخلاقياتها فى القوانين الحديثة والحروب الأخرى القديمة من هذه الزاوية، وقد نوه القرآن الكريم إلى ذلك  فى أكثر من آية، من ذلك قوله تعالى: (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيما) [ النساء:104]، ويقول تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ) [التوبة:52].

إنه لتسليم كامل لله، وثقة مُطلقة فى حُكْمه، وأيا كان الأمر، فإنه خير للمسلمين، فإما الشهادة والجنة، وإما النصر فى الدنيا وتعذيب المشركين بأيدى المؤمنين، وهذه غاية أخرى يطلبها كل مؤمن، وهذه من القواعد الأخلاقية ذات الطابع المعنوي، الذى يستحث المؤمن على النصر أو الشهادة، وهو ما يفتقر إليه أى محارب لا يعرف الله. عز وجل.

      أما القاعدة الرابعة، فهى تتصل بمعاملة الأسرى، وقد عاملهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) برفق وأوصى أصحابه بأن يستوصوا بهم خيرًا، على ما سنفصِّله فى موضع آخر.

      أما القاعدة الخامسة المتصلة بأخلاقيات الحرب، فهى تتصل بالغنائم وطريقة توزيعها على المسلمين. فقبل الإسلام كانت هناك فوضى فى شن الحروب وفى توزيع أسلابها على المقاتلين، أما بعد الإسلام، فقد أصبحت هناك قواعد للقسمة تقضى بتجنيب الخمس للرسول (صلى الله عليه وسلم) وتوزيع الأخماس الأربعة الأخرى على المقاتلين، للفارس سهمان وللراجل سهم واحد.

وتدلنا أحداث السيرة على أن المسلمين فى بداية عهدهم بالإسلام وبالغنائم، كانوا يتزاحمون على أخذها، بل وعلى الخمس المخصص للرسول (صلى الله عليه وسلم)، كما حدث فى غزوة بدر وأُحُد، بل أكثر من ذلك فى غزوة حنين، حيث ألجأوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى شجرة وهو يخبرهم بأنه ما أخذ إلا الخمس وسيعود به عليهم، إذ هو يعطى للفقراء والمساكين وفقًا لقواعد الاستحقاق من بيت المال.

ثانيا: أخلاقيات الحرب كما تجلت فى غزوة أحد

إن غزوة أحد من الغزوات المثيرة للجدل بالفعل، لقد نصر الله عز وجل  المسلمين نصرًا قويا منذ عام واحد فى غزوة بدر، وعاد المشركون إلى المدينة ليعتدوا مرة ثانية على المسلمين وينتقموا لهزيمتهم فى غزوة بدر، ولعل ذلك ما أكده أبو سفيان فى آخر المعركة إذ قال: "يوم بيوم بدر والحرب سجال". فهنا يُظهر أبو سفيان استمرار المعركة بين معسكر الشرك الذى يقوده، ومعسكر التوحيد الذى يقوده النبى محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولم يرد الرسول (صلى الله عليه وسلم) على هذا القول، كما لم تبدر منه أية استفزازات لقريش طوال هذه المدة.

أقول: مثيرة للجدل، لأن الله مع المسلمين، وهو الذى يحقق لهم النصر على عدوهم دائمًا، فلماذا الخذلان هذه المرة؟

     إن القرآن الكريم أعرب عن  أسباب الهزيمة فى هذه الغزوة، وهو يعطى دروسًا للمسلمين فى أخلاقيات الحرب وأسباب النصر والهزيمة.. لقد كان هناك تحقيق لوعد الله لرسوله (صلى الله عليه وسلم) بالنصر على أعداء الله فى بداية المعركة، يقول تعالي: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِى الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ( [آل عمران:152] لكن لماذا كانت الهزيمة؟ تجيب على هذا السؤال الآياتُ التاليةُ فى سورة آل عمران: )حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِى الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ( [آل عمران:152].

      فالدنيا كلها تسير على الأسباب، ولا يوجد استثناء من ذلك، وهذه قاعدة مهمة، لقد كان الموقف فى بدر مختلفًا، حيث كان المسلمون قلة، ولكنهم تآلفوا واتحدوا والتفُّوا حول رسولهم (صلى الله عليه وسلم)، وبذلوا أكثر جهد ممكن لينتصروا جهادًا فى سبيل الله. ولكن هذه المرة اختلفوا، والقرآن الكريم وصف ما حدث منهم بأنه فشل وتنازع، وعصيان للرسول (صلى الله عليه وسلم) بل إن بعضهم كان قلبه مُعلّق بالدنيا ويريد غنائم الحرب ( مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ) [آل عمران:152].، ويصف القرآن الكريم عصيان الرسول فى نفس السورة، سورة آل عمران: (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [آل عمران:153].

لقد تسببوا بالانصراف إلى الغنائم وعصيان أوامر الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى الهزيمة وفى إصابة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وفى غمه وحزنه،فأصابهم الله بالهزيمة.

      ثم هناك مسألة أخرى مهمة، وهي: تعليم المسلمين أن النصر والهزيمة هما من خصائص وسمات هذه الدنيا، فلا يوجد نصر دائم ولا هزيمة دائمة. ورغم أنه درس ورد فى غزوة أحد، فإنه واضح لنا الآن، ومن ثم ينبغى ألا نقنط من رحمة الله إذا هُزمنا، فى إحدى المرات خاصة إذا كان الإنسان هو المتسبب فى تلك الهزيمة، ونجد أكثر من آية فى هذا المعني، يقول تعالى: )قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ( [آل عمران: 137]، وقوله: )إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ( [آل عمران:140]، وسبب ثالث هو: تمحيص المسلمين وإيضاح قدراتهم، وإن ذلك لا يكون إلا باجتياز الهزيمة والصبر عليها والاستفادة منها: (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [آل عمران:141]. والقرآن الكريم ينبهنا هنا إلى أن الأيام دول، ولا يجب أن نيأس من الهزيمة، وإنما نعرف الأسباب ونتجنبها.

     إن المهام المُلقاة على المسلمين كثيرة وصعبة، ولابد أن يتهيأوا لها، ولن تكون هذه التهيئة إلا بالمرور بالنصر والهزيمة أيضًا، وعادة ما يأتى النجاح من الفشل، والقوة من استيعاب أسباب الضعف والتغلب عليها.

وفى غزوة أحد كان كفار قريش يريدون الانتقام من هزيمتهم المنكرة فى غزوة بدر، ومن ثم كانت حربا مشوبة بدوافع الانتقام والأخذ بالثأر من المسلمين، ومرة ثانية كانت الحرب من قبل المسلمين حربًا دفاعية، ولا أدل على ذلك من أن الكفار جاءوا إلى أبواب المدينة دولة الرسول (صلى الله عليه وسلم) . والمسلمين.

وهنا تتبلور القاعدة الأساسية لأسباب الحرب فى الإسلام، وهي: الدفاع، الدفاع عن النفس والدفاع عن الدعوة. وتسجل الآيات الأخيرة من سورة آل عمران أخلاقيات الحرب، ودروس النصر والهزيمة؛ ليأخذ المسلمون عِبرًا من الحياة، وليأخذوا بالأسباب، فأسباب النصر فى الحروب معروفة، والله قادر على أن ينصر عباده دائمًا، ولكن طالما أن الإنسان يعيش على الأرض فإنه يخضع لقانون الأسباب، وإذا خالف أسباب النصر هُزِم.

من هنا تثبت آيات القرآن الكريم أن النصر فى الجولة الأولى كان للمسلمين، ولكن عندما تنازعوا وعصوا أوامر الرسول (صلى الله عليه وسلم) وغرّتهم الحياة الدنيا، كانت الهزيمة. يقول سبحانه وتعالى: )وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِى الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ( [آل عمران:152].

ثالثا: أخلاقيات الحرب كما تجلت فى غزوة حنين

تعتبر غزوة حنين من أهم الغزوات التى حدثت فى التاريخ الإسلامي، وذلك لعدة أسباب، منها: أنها وقعت بعد فتح مكة،-أي: فى العام الثامن للهجرة- ومن ثم كان من الطبيعى أن يشارك فيها من شارك فى فتح مكة من المهاجرين والأنصار، ثم من انضم إليهم من أهل مكة، ثم طائفة من الذين أسلموا حديثًا بعد فتح مكة، ومنهم حديثو عهد بالإسلام، بل ومنهم من لم يؤمن بعد، أي: أن المؤلَّفة قلوبهم شاركوا أيضا فى الغزوة.

كان العدد كبيرًا فى هذا الجيش، بل لعله كان أكبر الجيوش التى قاتلت تحت إمرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) نفسه، لذا قال نفر من الصحابة: لن نُهزَم اليوم من قلة، ستكون الهزيمة إن وقعت لسبب آخر. لقد كان البعض فى حالة زهو ويمتلئ ثقة بالنصر..

     وقد كانت الحرب بين المسلمين وثقيف وهوازن أهل الطائف، الذين سبق لهم أن أهانوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) ورفضوا دعوته، وأوقعوا به الأذي، وسلَّطوا عليه أطفالهم وسفهاءهم يلقونه بالحجارة، وتعرّض الرسول (صلى الله عليه وسلم) لموقف إنسانى بالغ الحساسية.. ويصور القرآن الكريم حال المسلمين فى هذه الغزوة فى قوله تعالي: )َقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ( [التوبة:25].

إن هذه الغزوة قد شهدت تقسيمًا مختلفًا للغنائم، فقد أخذ أغلبها قادة قريش الذين كانوا دائمًا ضد الإسلام، مثل: أبو سفيان، وصفوان بن أمية، ولكنهم تطلّعوا إلى الغنائم بشراهة بالغة، الأمر الذى كان من أهم أسباب الهزيمة التى كادت أن تحيط بالمسلمين فى بداية الغزوة، والغريب أنهم أثناء التقسيم، عاملوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) بشدة لم يعتد عليها من المسلمين الأولين (1).. وقد حرم الرسول (صلى الله عليه وسلم) الأنصار من الغنائم، وكذا بعض كبار المؤمنين الصادقين ممن أبلوا فى الإسلام دائمًا بلاء حسنًا، من هنا جاءت أهم دروس غزوة حنين. فلقد واجه سعد بن عبادة زعيم الأنصار الرسول (صلى الله عليه وسلم) باحتجاج الأنصار بعد القسمة، وراح الرسول (صلى الله عليه وسلم) يهدِّئ من روعهم بعد المعركة، لم يعاقبهم مع أنه كان بإمكانه أن يفعل ذلك؛ لأنه قائد عسكرى فى وسط ميدان المعركة، وفريق من جيشه يعترض عليه، وإن كانت القاعدة دائمًا أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يشاور أصحابه، ويرضى الغاضب منهم، خاصة إذا كان لهذا الغضب محله. لقد كانت غنائم غزوة حنين أكثر الغنائم التى نالها المسلمون فى أى معركة، وقد طلب الرسول (صلى الله عليه وسلم) من سعد أن يجمع له كتيبة الأنصار، ودار بينهم وبينه هذا الحوار الرائع، والذى يدل على أن الأموال ليست هى كل شئ لدى المؤمنين الأخيار. ولنستمع إلى هذا الحوار الرائع بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) وبين الأنصار:

طبقًا لقواعد الأنفال، فقد أعطى الرسول (صلى الله عليه وسلم) لسادات قريش من مال الغير، فأدى ذلك إلى تهامس الأنصار، وجعلوا يتحدثون إلى بعضهم البعض، وقال بعضهم: "لقى والله رسول الله قومه".

ولقد كان بإمكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يأخذ من قال ذلك بالشدة، ولكنه استدعى الأنصار حتى يقضى على أى بادرة للفتنة، أو للتأثير على البناء الضخم الذى أقامه، ومن ثم دار بينه وبينهم حوار يعد من أفضل وثائق الأدب السياسى والإنساني على مر العصور:

قال الرسول  (صلى الله عليه وسلم) : "يا معشر الأنصار، مقالة بلغتنى عنكم وجدة وجدتموها فى أنفسكم".

قال الأنصار: منا من يقول ذلك ونحن نؤيده.

قال الرسول: (صلى الله عليه وسلم): " ألم آتكم ضلالاً، فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم؟"

قال الأنصار: بلى والله ورسوله أمن وأفضل.

فقال النبى (صلى الله عليه وسلم): "ألا تجيبونى يا معشر الأنصار".

فقالوا: وبم نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل.

قال النبي: (صلى الله عليه وسلم) : "والله إن شئتم لقلتم ولصدقتم أتيتنا مكذِّبًا فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلاً فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار فى العلالة من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحابكم، فوالذى نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت أمرًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار".

ولأن الغنائم ليست أهم شيء عند الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فقد حدث أن جاء وفد هوازن بعد أن انتهت المعركة، يعلنون إسلامهم ويطلبون رد الغنائم، فأعطاهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما معه وقال لهم: (صلى الله عليه وسلم) إن معى من ترون، وإن أحب الحديث إلى أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟" فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا.

فقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فى المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا تائبين، وإنى قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفيء الله علينا فليفعل"، فقال الناس: طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال لهم (صلى الله عليه وسلم): "إنا لا ندرى من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم"..

* وتبرز من أخلاقيات الحرب فى هذه الغزوة الحقائق الآتية:

أولاً: أن الأخذ بالأسباب فى الحروب مسألة مهمة، فالإعجاب بالكثرة فى الأنفس والعتاد يولِّد الإحساس بالتعالي، ويهمل أسباب النصر؛ لذا أعطى الله المسلمين درسًا مهمًا فى الأخذ بأسباب القوة، والاعتماد على الله فى نفس الوقت.

ثانيا: أن الغنائم فى الحرب ليست هى كل شيء، وأن كسب الغنائم لا ينبغى أن يكون على حساب المبادئ والقيم الإسلامية، فتفادي الحرب وآثارها الضارة، ومنها: الأسر والفِداء مسألة أهم.. وقد ضرب الرسول (صلى الله عليه وسلم) مثلاً رائعًا فى العفو عند المقدرة وإطلاق سراح الأسرى والمن عليهم بالخلاص.. وتبدو عظمة الرسول (صلى الله عليه وسلم) هنا فى مسألة أخرى، هى أنه جعل الناس تتبعه فى الفِداء طواعية؛ حتى لا يوغر صدورهم بإطلاق سراح من أخذه القوم من الأسرى، مما جعلهم جميعًا يتبعونه.

ثالثًا: أن من أخلاقيات الحرب كذلك: مراعاة البذل الذى قدمه الجنود والقادة، وأخذ رأيهم فى التجاوز عن بعض آثار الحرب المعروفة، مثل: تسريح الأسرى، والمن عليهم بالفداء. وقد بيَّن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن تحرير الأشخاص أهم بكثير من تحرير الأموال.

رابعًا: السعى إلى استرضاء المؤمنين والمسلمين من أخلاقيات الحرب فى الإسلام، فلا ينبغى التشديد على هؤلاء السابقين إلى الإسلام والذين آووا ونصروا، ولو كان لهم موقفًا من القائد أثناء الحرب، كما فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع الأنصار، فالمهم استمالة جانب من يغضب واسترضائه، كل بحسب درجة إيمانه..

رابعا: الإصرار على تحقيق السلام فى عهد الحديبية

لقد جعل الله مكة مكانًا آمنًا وحرّم فيها القتال، وجعل أول بيت لعبادته فيها. يقول تعالى: )إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ( [آل عمران:96].

ومع ذلك، ورغم أن البيت مفتوح لكل الناس يأتون إليه فى كل وقت، فإنه بالنسبة للمسلمين عكس ذلك فقد صدتهم قريش عن الدخول فيه دون سائر الناس، وفى ذلك نزل قوله تعالى: )يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ( [البقرة:217]. ويقول تعالى: )وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ، وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ،  إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ( [الأنفال:34-36]..

       فالمسلمون لا يبدأون أحدًا بقتال، لكن إذا كانت قريش قد صدتهم عن المسجد الحرام وأخرجتهم منه، فإن للمسلمين أن يدافعوا عن حقهم فى الصلاة فى المسجد الحرام، ولو أدى الأمر إلى قتال مَن يمنعهم ويصدهم عنه، ولو كان ذلك فى الأشهر الحرم.

ومع ذلك، ففى الحديبية لم يكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولا المسلمون يرغبون فى قتال، وإنما كانوا يريدون العمرة فحسب، وكسر الحصار المضروب عليهم للدخول فى البيت الحرام.. كان المسلمون محرمين وكانوا يسوقون الهدى، ومع ذلك عندما علمت قريش بمقدمهم، استعدوا لمنعهم بالقوة، ووضعوا أمامهم الفرسان، ورأى الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن عليه -لكى يدخل مكة- أن يقتحم هذه الجنود المتراصة، ولكن لرغبته (صلى الله عليه وسلم) فى السلام، رأى أن يتخذ طريقًا آخر لا يواجه جيش قريش، ودله بعض أصحابه على طريق وعر وصعب هو طريق الحديبية. ومع ذلك، بدأت الرسل بينه وبين قريش. هنا ينقل عنه (صلى الله عليه وسلم) قوله: "يا ويح قريش!! لقد أهلكتهم الحرب.."(1)، وبالفعل أرسلت قريش سهيل بن عمرو إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) " بهذه الخطة، وقبلها " بكل ما فيها من شروط مجحفة، أقلها عودة المسلمين من عامهم هذا إلى المدينة دون أن يؤدوا العمرة، وعودتهم فى العام المقبل ليس معهم إلا السيوف فى جرابها، وأكثرها أن مَن جاء محمدًا بغير إذن وليه رده إلى قريش، وعدم رد قريش من يأتيها بدون إذن محمد (صلى الله عليه وسلم)...!!

ومع تعاظم غضب المسلمين من هذه الشروط المجحفة، بل ورفض بعضهم اتباع أوامر النبى (صلى الله عليه وسلم)، دخل (صلى الله عليه وسلم) إلى خيمة زوجته أم سلمة غاضبًا حزينًا يقول لها: "هلك الناس، هلك الناس، يعصون أمر نبيهم (صلى الله عليه وسلم).. أقول: رغم ذلك نزلت سورة الفتح التى اعتبرتْ أن السلام الذى تحقق فى الحديبية نصر كبير وفتح مبين. يقول تعالى: ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ  وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ) [الفتح:1-2].

ويعطينا عهد الحديبية مجموعة من أخلاقيات الحرب المهمة، نذكرها فيما يلي:

1-  عدم الدخول فى الحرب مع العدو كلما كان ذلك ممكنًا، وعليه: يجب بذل كل جهد لتفادى الدخول فى الحرب، يقول (صلى الله عليه وسلم): "أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)(2)..

2-  الانصياع لأى خطط تؤدى إلى تحقيق السلام وعدم الدخول فى الحرب حتى لو تمت تنازلات يمكن احتمالها.

3- اتباع كافة الطرق التى تؤدى إلى تجنب سفك الدماء، ولو نتج عن ذلك متاعب للجيش الإسلامي.

4- إن مزايا السلام تفوق دائمًا مزايا الحرب فى كل زمان وفى كل عصر.

5- إن مسالمة العدو والتعاقد معه لتجنب الحرب وتجنب إراقة الدماء من الأمور المشروعة بل المستحبة فى الإسلام.

6- إنه يمتنع قتل رسل السلام التى يرسلها أحد الطرفين للآخر للتفاوض للصلح أولاً، أو لأى هدف سلمى آخر، وإن جزاء قتل الرسل يمكن أن يكون الحرب، والدليل على ذلك أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد أخذ بيعة الرضوان من المسلمين الذين كانوا معه، عندما أشيع أن رسوله إلى قريش (عثمان بن عفان) قد قُتِل.

خامسا: أخلاقيات الحرب كما تجلت فى فتح مكة

أول ما يلفت النظر فى دروس الأخلاقيات فى فتح مكة، هو: تمسك الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالوفاء بالعهد بإنفاذ ما تم الاتفاق عليه فى صلحه مع قريش فى الحديبية.

     فقد كان أهم بنود هذا الصلح هو البند الذى يقول: "إن من أحب أن يدخل فى عقد محمد (صلى الله عليه وسلم) وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه"(1)وبناء على ذلك، دخلت خزاعة فى هذا العهد منضمة إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ودخلت بنو بكر فى عهد قريش، وكان بين خزاعة وبنى بكر غارات قديمة سكنت بعد صلح الحديبية وانحياز كل من القبيلتين إلى فريق من المتصالحين، فلما كانت مؤتة وخيل إلى قريش أن المسلمين قُضِى عليهم، خُيل إلى بنى الديل من بنى بكر بن عبد مناف أن الفرصة سنحت لهم ليصيبوا من خزاعة بثاراتهم القديمة. وحرَّضهم على ذلك جماعة من قريش، منهم: عكرمة بن أبى جهل، وبعض سادات قريش، وأمدوهم بالسلاح، وبينما خزاعة ذات ليلة على ماء لها يدعى "الوتير" إذ فاجأتهم بنو بكر فقتلوا أناسا منهم، ففزعت خزاعة إلى مكة، ولجأوا إلى دار بديل بن ورقاء، وشكوا إليه نقض قريش ونقض بنى بكر عهدهم مع  رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وسارع عمرو بن سالم الخزاعي، فغدا متوجهًا إلى المدينة حتى وقف بين يدى محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو جالس فى المسجد بين الناس، وجعل يقصّ ما حدث ويستنصره، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "نصرت يا عمرو بن سالم"، ثم خرج بديل بن ورقاء فى نفر من خزاعة حتى قدموا المدينة، فأخبروا النبى بما أصابهم وبمظاهرة قريش بنى بكر عليهم، عند ذلك رأى النبى (صلى الله عليه وسلم) أن ما قامت به قريش من نقض عهد لا مقابل له إلا فتح مكة، وأنه لذلك يجب أن يرسل إلى المسلمين فى أنحاء شبه الجزيرة ؛ ليكونوا على أهبة الاستعداد لإجابة ندائه من غير أن يعرفوا وجهته بعد هذا النداء..

أما حكماء قريش وذووا الرأى فيها، فما لبثوا أن قدروا ما عرضه لهم عكرمة ومن معه من الشبان من خطر، فهذا عهد الحديبية قد نُقِض، وهذا سلطان محمد (صلى الله عليه وسلم) فى شبه الجزيرة يزداد بأسًا وقوة، ولئن فكر بعد الذى حدث فى أن ينتقم لخزاعة من أهل مكة لتتعرض المدينة المقدسة لأشد الخطر، فماذا تراهم يصنعون، أوفدوا أبا سفيان إلى المدينة ليثبت العقد وليزيد فى المدة، ولعل المدة كانت سنتين فكانوا يريدونها عشرًا (1)، وخرج أبو سفيان -قائدهم وحكيمهم- يريد المدينة، فلما بلغ من طريقه عسفان، لقيه بديل بن ورقاء وأصحابه، فخاف أن يكون قد جاء محمدًا وأخبره بما حدث، فيزيد ذلك فى مهمته تعقيدًا، وقد نفى بديل مقابلته محمدًا، لكنه عرف من بعر راحلة بديل أنه كان بالمدينة، لذلك آثر ألا يكون محمد أول من يلقى، فجعل وجهته بيت ابنته أم حبيبة زوجة النبى (صلى الله عليه وسلم) (2).

      ولعلها كانت قد عرفت عواطف النبى إزاء قريش، وإن لم تكن تعلم ما فى اعتزامه فى أمر مكة، ولعل ذلك كان شأن المسلمين بالمدينة جميعًا، فقد أراد أبو سفيان أن يجلس على فراش النبي، فطوته أم حبيبة، فلما سألها أبوها: أطوته رغبة بأبيها عن الفراش أم رغبة بالفراش عن أبيها؟ كان جوابها: هو فراش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس عليه، قال أبو سفيان: والله لقد أصابك يا بنيتى بعدى شر! وخرج مغضبًا، ثم كلّم محمدًا فى العهد وإطالة مدته، فلم يرد عليه بشيء، فكلّم أبا بكر ليكلم له النبى فأبي، فكلم عمر بن الخطاب فأغلظ له الرد وقال: "أنا أشفع لكم إلى رسول الله؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر فجاهدتكم به". ودخل أبو سفيان على علي بن أبى طالب وعنده فاطمة، فعرض عليه ما جاء فيه واستشفعه إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فأنبأه علي فى رفق أنه لا يستطيع أحد أن يرد محمدًا عن أمرٍ إذا هو اعتزمه. واستشفع رسول قريش فاطمة أن يجير ابنها الحسن بين الناس، فقالت: "ما يجير أحد على رسول الله". واشتدت الأمور على أبى سفيان فاستنصح عليا، فقال له: "والله ما أعلم شيئًا يغنى عنك شيئًا، لكنك سيد بنى كنانة، فقم فاجر بين الناس ثم الحق بأرضك، وما أظن ذلك مغنيا ولكنى لا أجد لك غيره"، فذهب أبو سفيان إلى المسجد، وهناك أعلن أنه أجار بين الناس، ثم ركب راحلته وانطلق ذاهبًا إلى مكة وقلبه يفيض أسى مما لقى من هوان على يد ابنته وعلى يد أولئك الذين كانوا -قبل هجرتهم من مكة- يرتجون منه نظرة عطف أو رضا.

      وتزعُم دراسة حديثة أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قد نقض عهد الحديبية كعهده فى عدم احترام العهود، وأن المسلمين اليوم مثله لا يعرفون عهدًا ولا ميثاقًا، وفى يقينى أن العكس هو الصحيح دائمًا.

فمدة صلح الحديبية سنتان على القول الراجح، ولم يرد النبى (صلى الله عليه وسلم) أن يداهم مكة إلا بعد مضى هذه المدة، فلم ينقض أى عهد إذن كما يزعمون.

وحتى على فرض أن العهد مدته عشر سنين -على زعم آخر- فإن ما فعلته قريش هذا يعد نقضًا للعهد، فعهد الحديبية يعتبر عهد عدم اعتداء في المدة المحددة فيه، فإذا ما قامت قريش بمناصرة عدوان على من دخل فى عهد محمد طبقًا لاتفاق الحديبية، لصالح حليف لها دخل فى العهد معها، فإنها تكون قد فسخت العهد وعادت حالة الحرب المعلنة بين الطرفين إلى سابق عهدها قبل الصلح، فما جدوى الاحتفاظ بعهد لم يحترمه أحد أطرافه؟

      لقد ثبت أن قريشًا قد أمدت بنى بكر بالسلاح فى حربها ضد خزاعة، وأنه قد قُتِل عدد كبير من أنصار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على يدها -بصرف النظر عن عقيدتهم بالطبع-، فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) من حقه أن ينقض المعاهدة لنقضها من الطرف الثاني أولا، وهى قاعدة مقررة فى القانون الدولى والقانون الداخلى على السواء، فإن أهم سبب لانقضاء المعاهدة فى القانون الدولى عدم وفاء المتعاقد الآخر بالتزاماته، فمن حق الطرف الآخر أن يدفع بعدم تنفيذ المعاهدة؛ ردًا على ذلك وهو ما أيدته نظرية فيينا لقانون المعاهدات المبرمة عام 1969م (1)، وهنا فإن ما حدث من قريش ليس مجرد امتناع سلبى عن الوفاء بالمعاهدة، بل فعل إيجابى يتمثل فى نقض صريح للمعاهدة.

ولأهمية الوفاء بالعهد، لم يقبل الرسول (صلى الله عليه وسلم) أية محاولات للصلح ولتمديد المعاهدة، حيث سافر أبو سفيان نفسه إلى المدينة لمد أجَلِ المعاهدة، ولكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد رفض، وهنا نجد أن إحدى القواعد الأخلاقية للحرب قد أُرسِيت، وهي: عدم قبول نقض معاهدة عدم الاعتداء، والإصرار على الرد على النقض والعدوان بمثله.

      ومن المسائل المحيرة أن يرسل أحد الصحابة خطابًا إلى قريش يخبرها بخبر استعداد محمد للحرب ومداهمته لقريش هو الصحابى حاطب بن أبى بلتعة، وبلغة الحرب قديمًا وحديثًا يعد هذا العمل تجسسًا ويعاقَب من يفعل ذلك بعقوبات قاسية. إن التجسس هو إحدى جرائم الحرب، وهى بمثابة الخيانة العظمى فى القانون الدولي.

      ومع ذلك، ورغم ثبوت الفعل إذ أخبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) به وأرسل عليا بن أبى طالب، والزبير بن العوام، إلى المرأة التى حملها حاطب الرسالة، واعترف حاطب إذ قال: "والله يا رسول الله، إنى لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت ولا بدلت، ولكنى كنت إمرًا ليس لى فى القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لى بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم"..

اعتراف كامل جعل عمر بن الخطاب يطلب من الرسول (صلى الله عليه وسلم) الإذن له أن يضرب عنقه ووصف فعلته بالنفاق. ولكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) رفض وقال لعمر: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وكان حاطب ممن شهد بدرا، وقد اعتبر حسين هيكل ما فعله حاطب نوع من الضعف الإنساني، وعمومًا فإن ذلك يعطينا إحدى أخلاقيات الحرب فى الإسلام، وهي: أنه أثناء المعركة أو التجهيز لها، لا يجوز معاقبة أحد المسلمين على خطأ يقع فيه، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) سامح حاطب على فعل شائن بلا شك كان يمكنه أن يؤثر على مسيرة الحرب بين المسلمين وقريش لو تمت" (1)

     يجب أن يأخذ الجيش المحارب بكل أسباب القوة، بما فى ذلك الإفطار فى شهر الصوم شهر رمضان المبارك، فقد قام الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالرحيل إلى مكة عند نقطة تسمى وادى الكديد فيه ماء، فأفطر وأفطر الناس معه.

البحث عن نطاق النصر بإظهار قوة حقيقية أو مختلقة لإرهاب العدو:

ورغم أن قوام الجيش الإسلامى الفاتح عشرة آلاف مقاتل هى إحدى النبوءات التى وردت فى التوراة عن محمد (صلى الله عليه وسلم)، حيث جاء بها، خرج إلى الامام ومعه عشرة آلاف من الأبرار، إلا أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) أمر أصحابه أن يوقد كل منهم نارًا، مما جعل الخوف يغشى قريش، وقد ورد أن أبى سفيان لما رأى هذه النيران الكثيفة قال: "ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرًا"..

    ويدخل فى هذا القبيل أيضًا أن النبى (صلى الله عليه وسلم) عندما  غادر من الظهران إلى مكة، طلب من العباس أن يحبس أبى سفيان بمضيق الوادى عند خضم الجبل، حتى يمر به جنود الله فيراها، ففعل، فمرت القبائل على راياتها، كلما مرت به قبيلة قال: يا عباس، من هذه؟ فيقول: سليم -مثلاً-، فيقول: مالى ولسليم؟ ثم تمر به القبيلة، فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فيقول: مزينة، فيقول: مالى ولمزينة؟ حتى نفذت القبائل، ما تمر به قبيلة إلا سأل العباس عنها، فإذا أخبره قال مالى ولبنى فلان؟ حتى مر به رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فى كتيبته الخضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فى المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قِِبَل ولا طاقة. ثم قال: والله يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيمًا. قال العباس: يا أبا سفيان، إنها النُبوَّة، قال: فنعم إذن..

     ومما يدل على كراهية الحرب فى هذا اليوم، وعدم رغبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فى استباحة مكة أرض الله الحرام، أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) سمع سعد بن عبادة -وكان يحمل راية الأنصار- يقول: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة"، فرد الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالقول: "اليوم يوم المرحمة"، ونزع " الراية من يد سعد وأعطاها لابنه قيس.

     فلم يقبل الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى هذا اليوم العظيم أن يستحل حرمة مكة، بل خطب فى الناس بعد دخول الكعبة وقال (صلى الله عليه وسلم) : "أيها الناس إن الله حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهى حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك دمًا فيها، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخّص لقتال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما حلّت لى ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب".

وفى رواية: (صلى الله عليه وسلم) لا يعضد شوكة، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط ساقطته ولا من عرفها، ولا يختلى خلاة، فقال العباس: يا رسول الله إلا الأذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: إلا الأذخر"..

وكانت خزاعة قد قتلت يومئذ رجلاً من بنى ليث بقتيل لهم فى الجاهلية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بهذا الصدد: "يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم قتيلاً لأدينه، فمن قتل بعد مقامى هذا فأهله بخير النظرين، إن شاءوا فدم قاتله، وإن  شاءوا فعقله".

وفى رواية: فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاة فقال: اكتب لى يا رسول الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "اكتبوا لأبى شاة"..

    وهذه من أهم أخلاقيات الحرب فى الإسلام، احترام المقدسات، وتقديس الحرمات، وعدم الاعتداء على حرمة الأماكن المقدسة، وقبلها عدم الاعتداء على الأنفس، ولو كان ذلك أخذًا بثأرٍ قديم أو حديث.

      وفى تصورى أن القانون الدولى الإنسانى قد تبنَّى هذه القاعدة حديثًا، فحرّم العدوان على المقدسات، وخاصة دور العبادة، وحرّم إلى جوارها الأماكن الثقافية مثل: المتاحف، وأماكن الآثار، كذلك حرّم العدوان على المستشفيات والطائرات المخصصة للأغراض الطبية.

     ولأن الله -سبحانه وتعالي- أدّب محمدًا (صلى الله عليه وسلم) وأحسن تأديبه، فقد بدأ هو بتحريم العدوان على هذه المقدسات.

 

*  *  *

 

 

 


 

المبحث الثاني

الأخلاقيات التى وضحت فى السيرة النبوية لضبط سلوك المقاتلين، والتعامل مع ضحايا الحرب

أولا: التعامل مع ضحايا الحرب فى الإسلام

- الأســـــرى

          اهتمت اتفاقيات جنيف الأربعة، التى عُقِدت عام 1949م فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، وما جرى فيها من أهوال -يعجز عنها الوصف (1) -بضحايا الحرب، وقررت العديد من الأحكام التى تكفل رعايتهم والتقليل من الآلام والمصائب التى تعرضوا لها. والأحكام التى تضمنتها هذه الاتفاقيات الأربعة، فضلاً عن ملحقين أضيفا إليها عام 1977م، تشكل ما يعرف حديثًا بالقانون الدولى الإنساني، وكلها تهتم بالجانب الإنسانى فى معاملة ضحايا الحرب. ومما لا شك فيه أن الشرائع السماوية -وعلى رأسها الشريعة الإسلامية- قد أسهمت بقدر وفير فى صياغة هذا القانون، فقد شكلت جامعة الدول العربية وفدًا اشترك فيه خبراء الدول العربية،  ساهم فى صياغة الملحقين منذ عام 1971م، وكانت الشريعة الإسلامية هى المصدر الأساس لما أضافته من أحكام إلى الاتفاقات... ونذكر ما جاء فى القرآن الكريم عن حسن معاملة الأسري. يقول تعالي: )وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً( [ الإنسان:8].

        فمن أوصاف المؤمنين أنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، والفئات التى وردت فى الآية الكريمة هى من بعض من يؤثر بالفضل. لقد ساوى القرآن الكريم بين الأسرى والمساكين واليتامي، فالإحسان إلى الأسير مأثور، حبب الله المسلمين فيه، مما يدل على موقف الإسلام من ضحايا الحرب بشكل عام، وهو: حسن المعاملة والتفضل عليهم بما يقيهم الحاجة .(1)

أما سيرة النبى (صلى الله عليه وسلم) فقد ورد بها تفصيلات عن معاملة الأسرى. لقد دخل الرسول (صلى الله عليه وسلم) مع قريش فى المعركة الأولى ونصره الله عليهم فيها، أعنى غزوة بدر الكبرى، وكان من الطبيعى أن ينتج عن الحرب قتلى وجرحى وأسرى.

      وقد ورد فى كتب السيرة مشاورة النبى (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه فى شأن الأسرى بعد المعركة، فقد رأى أبو بكر أن تؤخذ الفدية منهم، وعلى أساس أنهم أولاد بنو العم والعشيرة والإخوان، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدًا، كما أن المهاجرين كانت علامات الحاجة والفقر بادية عليهم، وكانوا فى حاجة ماسة إلى الأموال، وقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يجلس فى عريشة نصبوها له قريبًا من المعركة، ونظر فى أصحابه فاغتم لمنظرهم، ودعا الله سبحانه قائلاً: "اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، وإنهم جياع فأشبِعهم".

بينما رأى عمر أن يقتَلوا؛ لأنهم صناديد الكفر والطغيان، وقد مال قلب النبى (صلى الله عليه وسلم) الرحيم إلى رأى أبى بكر، وكان دافعه إلى ذلك هو: الجمع بين الرحمة والرفق بالأسرى، عسى أن يؤلف قلوبهم إلى الدين، وأن يهتدوا إلى الحق، إلى جانب تعويض المهاجرين عن بعض ما أُخِذ منهم من مال فى مكة (1)ومع ذلك فقد جاءت الآية تعاتب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على هذا الرأى الذى أخذ به، يقول تعالي:(مَا كَانَ لِنَبِى أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( [الأنفال:67]. ثم بين القرآن الكريم بعد ذلك ما ينبغى أن يتَّبع مع الأسرى. يقول سبحانه وتعالى: )يَا أَيُّهَا النَّبِى قُل لِّمَن فِى أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( [الأنفال:70].

وعن ابن إسحق أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين أقبل بالأسارى، فرقهم فى أصحابه، وقال: "استوصوا بالأسارى خيرًا"، وكان عزيز بن عمير -أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه- فى الأسارى، فقال أبو عزيز: مر بى أخى مصعب ورجل من الأنصار يأسرني، فقال له: شد يدك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك. قال: وكنت فى رهط من الأمصار حين أقبلوا بى من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم أو عشاءهم خصونى بالخبز وأكلوا التمر؛ لوصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إياهم  بنا، ما تقع فى يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحنى بها، قال: فأستحى فأردها على أحدهم فيردها على ما يمسّها".

     من هنا نرى أهمية وصية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التى أوصى بها من قاموا بأسر الأعداء. إن هذه الوصية حولت حياة الأسرى إلى خير فى أيدى الصحابة، ولعل هذه الوصية تنطلق من الآية الكريمة )وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً( [الإنسان: 8].

هذه الوصية هى أهم بكثير من قواعد تُوضع فى اتفاقيات توقع عليها الدول بإكرام الأسرى وعدم قتلهم وتعذيبهم، ومع ذلك فالعكس تمامًا هو الذى يحدث. تحدثنا غرف الغاز والمحارق التى أقامها النازى للأسرى من الأعداء وما كان يفعل بهم(1). وفى الوقت الذى أكتب فيه هذه الكلمات يكشف أحد الأفلام التى بثها التليفزيون الإسرائيلى ما فعله أحد قادتهم "ديفيد بن اليعاذر" بالأسرى المصريين فى عام 1967، رغم أنهم استسلموا ولم يصبحوا مقاتلين، فقد أمر وحدته بإطلاق النار عليهم، ثم السير عليهم بالدبابات!! هذا ما لقيه الأسرى المصريون من العدو الإسرائيلي، وهؤلاء هم أسرى حروب أفغانستان لازالوا يوضعون فى سجن خاص أقامه الأمريكيون فى كوبا، معسكر "جوانتانامو" مقيدى الأيدى والأرجل، والشمس فى أعينهم والتعذيب مستمر، مع أنهم لم يقاتلوا أحدًا، إنما اتهمهم الأمريكيون بالإرهاب، ومازالت وقائع تعذيب الأسرى فى سجن "أبو غريب" بالعراق وصمة عار فى جبين هؤلاء المستعمرين فى القرن الحادي والعشرين.

وهنا لابد من التمييز بين النصوص والممارسة، ونحن نتحدث عما فعله المسلمون بأسراهم، تطبيقًا لنصوص القرآن الكريم ووصايا الرسول(صلى الله عليه وسلم)...

واستطرادًا لما ذكرناه عن الخلاف حول مصير أسرى بدر، نقول: إن القرآن الكريم عاتب الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأنه أطلق سراحهم، ففى أثناء المعركة لابد من الشدة وتحقيق النصر على الأعداء، ولكن بعد انتهائها، فإن الأسرى لهم حكم آخر، )فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى  إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ([محمد:4].

     ولعل فى أعمال الخلفاء الراشدين ما يؤيد الرحمة بالمقاتلين، فقد ورد عن على -رضى الله عنه- وقد قاتله العديد من أنصاره مثل الخوارج، بل وصل الأمر بهم إلى تكفيره ثم قتله.. فهذا هو على -رضى الله عنه- يوصى أتباعه من قادة جيوشه بالآتي:

1- ألا يبدأوا أحدًا بالقتال حتى يبدأوا هم؛ حتى يكون قتلهم من قبيل الدفاع الذى لابد منه لإخراجهم من المعركة.

2- ألا يذفف على جريح، أي: لا يتْبَع من جُرِح حتى يقتل. ويقتضى هذا علاج هذا الذى خرج من المعركة وأصبح عاجزًا عن مواصلة القتال.

3-  ألا يتّبع مدبر، وهى قاعدة مهمة من أخلاقيات الحرب. فطالما أن العدو مدبر، أي: لا يواجه المقاتل، فلا ينبغى بحال أن نتتبعه؛ تفاديا للقتال، وليكون القتال فى أضيق الحدود، محكومًا بما يعرف فى القانون الدولى بضرورة ولزوم القتال لإخراج العدو من المعركة بأقل الخسائر، خاصة فى الأرواح.

4-  لا يكشَفُ ستر امرأة، ولا تُهان.

والواقع أن هذه الأحكام أخذت مما استقر عليه الفقه فى قتال البغاة، ولكن لأنها أخلاقيات عامة فى الحروب، وردت فى السيرة النبوية فى وصايا الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأحاديثه، وكذلك فهى قواعد ومباديء ملزمة؛ لذا فهى واجبة الاتباع حتى فى قتال غير المسلمين، إلا ما روعى فيه صفة المسلم من هذه الأحكام. فقد رأينا أن قتال غير المسلم هو جهاد فى سبيل الله، وأنه مقيد بالدفاع عن النفس أو عن حرية العقيدة، وأن الجهاد ليس بسبب الكفر، وإنما بسبب العداء والوقوف فى سبيل الدعوة لمنع الناس من الإقبال عليها أو الإعراض عنها،

وكذلك مع البغاة اشترط الفقهاء لجواز قتالهم أن يكونوا مقبلين، وأن يكونوا طالبين للقتال..

     وقد تحدث الإمام الشافعى فى هذه المسألة كثيرًا فذكر أنه "إذا دعى أهل البغى فامتنعوا من الإجابة، قُوتِلُوا..." فإنما أُبيح قتال أهل البغى ما كانوا يقاتلون وهم لا يكونون مقاتلين إلا مقبلين مريدين ممتنعين، فمتى زايلوا هذه المعانى فقد خرجوا من الحال التى أبيح فيها قتالهم وهم لا يخرجون منها أبدًا إلا أن تكون دماؤهم محرمة كذلك هى قبل ما يحدثون ذلك"(1) وكذلك كانت عناية الإسلام بكافة ضحايا الحروب ومعاملتهم معاملة حسنة، على أساس المبدأ الذي يقضى بالشدة مع الأعداء طالما يقاتلون، أما بعد الانتهاء من القتال بسبب عدم القدرة على القتل لهزيمتهم أو خروجهم، فإنه يجب أن يعامَلوا معاملة حسنة...

     والأساس فى ذلك قوله تعالى: )فإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ( [محمد:4].

     وتفسير هذه الآية: أنه إذا لقيتم أعداءكم الكفار فى الحرب فشدوا الوثاق حتى إذا أكثرتم فيهم الجروح والتقتيل وأضعفتم قوتهم، فخذوهم أسرى، والوثاق هو: الحبل الذى يربَط به الأسير. أما باقى الآية فتتحدث عما يعمل بالأسير بعد ذلك، وهو المن، أي: إطلاق السراح بدون مقابل، أو تأخذوا منهم مالاً كفدية عن أنفسهم وهو: الفداء. والمهم هو كسر شوكتهم في المعركة، حتى تنقضى الحرب وتنتهى بعزة الإسلام واندحار الشرك.

     لقد أجاز الله لرسوله (صلى الله عليه وسلم) أن يمن على الأسرى بإطلاق سراحهم دون مقابل، وله أيضًا أن يفديهم بالمال كما حدث، وله أيضًا أن يطلب الفداء فى شكل آخر وهو أن يعلم كل أسير الكتابة لعشرة من أبناء المسلمين، وقد دأب (صلى الله عليه وسلم) على إطلاق سراح الأسرى فى سائر حروبه، وبالذات فى غزوة حنين، وفى فتح مكة، ولم يحدث إطلاقًا أن قتل امرأة أو شيخًا أو كهلاً....

     وجدير بنا بعد أن استعرضنا ما كان فى سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) من عدم قتله للأسرى، وتوصية أصحابه بحسن معاملتهم وقيامهم بالفعل بهذه المعاملة الحسنة، أن نستعرض بعدُ أحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) بشأن الأسرى...

     فقد حث (صلى الله عليه وسلم) على منع تعذيب الأسرى فقال (صلى الله عليه وسلم): "لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح". ويقول كذلك: "قَيلُوهُم حتى يبْرُدوا". وأرشد الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى أن يجعلوا الأسرى فى مكان آمن، فقد ورد عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه حبس الأسرى فى المسجد، وحث على مراعاة آدميتهم والإحسان إليهم بشتى أنواع الوسائل.

     وقال لا يتعاطى أحدكم أسيره فيقتله". والقرآن الكريم عندما قال: (مَا كَانَ لِنَبِى أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال:67]. فإن هذه الآية جاءت فى الحث على القتال لقطع دابر المعتدين، وهى تعنى ما كان لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أسرى قبل خذلان العدو وقهره، وأن هذا كان فى صدر الإسلام قبل أن يكون للمسلمين قوة وشوكة، بدليل أنه (صلى الله عليه وسلم) لم يقتل أسرى معركة حنين، وإنما أطلق سراحهم.

موقف الفقه الإسلامى من الأسير:

والواقع أننى دققت البحث -فيما يتصل بمصير الأسرى فى السيرة النبوية- لتحرير الخلاف حول بعض الآراء الفقهية، التى زعمت أن ولى الأمر مُخَير فى التعامل مع الأسرى بين أربعة أمور، هي: القتل، الاسترقاق، الفداء، والمن.. وسنعرض لهذا الخلاف الفقهى بإيجاز.

1- القتل

          وقد أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالفعل بقتل بعض من تم أسرهم، ولكن كان من الواضح أن سبب القتل لم يكن الأسر، وإنما لجرائم ارتكبوها فى حق المسلمين ترقى إلى أن تكون جرائم إبادة للمسلمين، وتعذيب وحشى من هؤلاء الأشخاص...

وفى تقديري، أنه لا علاقة للأسر بمعاقبة مجرمين على جرائم ارتكبوها، بصدق هذا فى ظل القانون الإسلامى وفى ظل القانون الدولى المعاصر، ونجد ذلك واضحًا فى حق من قاموا بجرائم حرب ضد دول التحالف من دول المحور فى الحرب العالمية الثانية، فقد وقع الغالب فى الحرب أشد العقوبات على من انهزم فيها (أعنى القادة الألمان واليابانيين). .

     ويهون ذلك إلى جانب ما تفعله أمريكا وانجلترا فى الوقت الحاضر ضد من تحاربهم من مسلمين وقعوا فى أيديهم بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001م، وأنزلت بهم أشد العقوبات متهمة إياهم بتدبير هذه الأحداث دون محاكمات ووضعهم فى سجن غريب هو معتفل "جوانتانامو" فى كوربا، حيث وضعوا فى أوضاع غير إنسانية، ولم تراعى بشأنهم أبسط حقوق الإنسان، ورفضت أن تعتبرهم أسرى لكى لا تطبق عليهم اتفاقيات جنيف 1949، وعلى الأخص الاتفاقية الثالثة الخاصة بحماية أسرى الحرب.

     إن القوات الأمريكية وقوات التحالف فى العراق وأفغانستان ترتكب أشد الجرائم ضد الإنسانية منذ أن دخلت هذه البلاد واحتلتها وأوسعت أهلها قتلاً وتعذيبًا وجرحًا بشكل لم يسبق أن حدث فى التاريخ الإنسانى كله دون محاكمات، وفى ظل هيئات دولية أقيمت لتحقيق العدالة واحترام حقوق الإنسان، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة ذاتها.

أما رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) فقد أمر بقتل ثلاثة أشخاص فحسب فى فتح مكة؛ بسبب ما قاموا به من تعذيب وجرائم ضد الإسلام ورسوله.

    فعن سعد بن أبى وقاص- قال: "لماكان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: (صلى الله عليه وسلم)اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبى جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح"، فأما عبد الله بن خطل فأُدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن الحارث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارًا، وكان أشب الرجلين فقتله. وأما مقيس بن صبابة فأدركه رجل من السوق فى السوق فقتله. وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة لمن ركبوا السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئًا. عندها قال عكرمة: لئن لم ينجنى فى البحر إلا الإخلاص، ما ينجينى فى البر غيره. اللهم إن لك عهدًا إن أنت عافيتنى مما أنا فيه أن آتى محمدًا فأضع يدى فى يده فلأجدنه عفوّا كريمًا قال: فجاء فأسلم).(1)

 أما الآلاف من أهل مكة فقد قال لهم: "ما تظنون أنى فاعل بكم؟ فقالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم. قال: "لا أقول لكم إلا ما قال يوسف لإخوته "لا تثريب عليكم اليوم"، اذهبوا فأنتم الطلقاء".

     وعندما أخبر بما قاله سعد بن معاذ من أن اليوم يوم الملحمة وإن اليوم تستحل فيه الحرمة، أخذ راية الأنصار منه وسلمها لابنه. وأكد (صلى الله عليه وسلم) على أن اليوم هو يوم المرحمة؛ لذا لا يمكن استخلاص قاعدة عامة بأن الإمام يملك قتل الأسرى، فالأسير له حُرمة، ولا يجوز قتله فى الإسلام، ولم يقتل الرسول (صلى الله عليه وسلم) أى أسير فى كل حروبه، والذين قتلهم ارتكبوا جرائم ترقى إلى جريمة إبادة الجنس، حيث قتلوا المسلمين وعذبوهم لمجرد اختلاف العقيدة.

2- الاسترقاق

ذهب بعض الفقهاء إلى أن الخيار الثانى لولى الأمر فى الأسرى هو أن يسترقهم. وقد أسسوا ذلك على قوله تعالى: )مَا كَانَ لِنَبِى أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(  [الأنفال:67].. وعلى أساس أن الإثخان فى الأرض يسمح بالقتل، والاسترقاق أقل حِدَّة من القتل، كما أن هناك مبدأ المعاملة بالمثل، حيث إن أعداء الإسلام كانوا يستعبدون الأسرى المسلمين.

والقاعدة التى كانت سارية فى كافة الحروب فى العصور القديمة وحتى العصور الوسطى وأوائل العصور الحديثة، كانت تسمح باسترقاق الأسرى. ولقد رجعت إلى ما اتبع فى سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) فلم أجد أنه استرق الأسرى، بل إن أسرى بنى المصطلق قد أفرج عنهم بدون مقابل، بعد أن تزوج الرسول (صلى الله عليه وسلم) بنت سيدهم جويرية بنت الحارث، وقال المسلمون أنهم لا ينبغى أن يأسروا أصهار رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

3-  المــــن:

      إن إطلاق سراح الأسرى دون مقابل هو أكثر ما اتُّبِع عملاً فى حروب الرسول (صلى الله عليه وسلم) وفى حروب المسلمين فيما بعد، فقد أطلق صلاح الدين الأيوبى الأسرى الصليبيين، رغم أنهم قتلوا أسرى المسلمين فى هذه الحروب، التى كانت أخلاقية من قِبل المسلمين، وغير أخلاقية من قِبل الصليبيين، حيث ذبحوا الآلاف من المسلمين حين دخلوا بيت المقدس.

4-  الفـــــداء:

       أى إطلاق السراح مقابل فِدية تُدفع من الأسير أو قومه. وهو ما اتبعه الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى غزوة بدر. وقد قَبِل الرسول (صلى الله عليه وسلم) قيام الأسير بخدمات مثل: تعليم أبناء المسلمين، بدلاً من المقابل المادى لمن لا يملك هذا المقابل.

مباديء القانون الدولى الإنسانى التى تحكم الأسر وموقف الشريعة منها (1)

لا شك أن الأحكام الحديثة التى جاءت فى ملحقى اتفاقيات جنيف عام 1977م قد تأثرت بهذه الأحكام، حيث إن جامعة الدول العربية قد شكلت وفدًا من كبار فقهاء القانون الدولى المسلمين -كما أشرنا من قبل- أخذوا الكثير من هذه الأحكام وضمَّنوها ملاحق جنيف؛ لذا قد يكون من المناسب أن نعرض أهم ما جاء باتفاقيات جنيف عام 1949م وملحقها عام 1977م فيما يتصل بالأسرى.

من هذه المبادئ مبدأ ضرورة تمكين الأسرى من أن يعيشوا حياة سوية بقدر الإمكان. وهو مبدأ متَّخَذ من مبدأ آخر يقول بضرورة إيجاد توازن معقول بين المثل الإنسانية ومقتضيات الحرب. ويترتب عليه أن الأسر ليس عقوبة، بل هو مجرد وسيلة لمنع إلحاق الأذى وكل إجراء يتجاوز هذا الهدف لا نفع له.

ويترتب على ذلك مجموعة من النتائج هي:

1- أن أسير الحرب ليس رقيقًا، وأن الأسر لا يشين أحدًا، وليس فيه ما يدعو للخجل.

2- لا يجوز انتقاص الحقوق المدنية للأسير إلا بالقدر الذى تتطلبه حالة الأسر.

3- لا يجوز استعمال الإكراه مع الأسير إلا بالقدر اللازم؛ لحفظ النظام، ولا يقبل الإكراه لانتزاع معلومات من الأسير.

4-  يجب تحرير الأسرى وإعادتهم إلى أوطانهم فور انتهاء الأسر، أي: فور انتهاء الأعمال العدائية الفعلية.

5- الأسير ليس تحت سلطة القوات التى أسرته، ولكنه تحت سلطة الدولة التى تتبعها هذه القوات.

     والواقع أن الشريعة الإسلامية تقر العديد من هذه المبادئ، وهناك مبادئ أخرى لم يكن بالإمكان تطبيقها فى الماضي، ولكن مباديء القانون الدولى فى العصر الحديث توجب تطبيقها، وطالما تحقق العدالة والإنصاف وتتصل بحفظ الحياة والأمن للأسير، فإن الشريعة تأخذ بها قياسًا على المبادئ الإسلامية التى تحكم الأسر، والتى طبقها الرسول (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدون من بعده، كما أوضحنا من قبل..

     وعلى سبيل المثال: إمكانية الاستعانة بالهيئة الدولية للصليب الأحمر لحماية الأسرى والتحقيق فى الشكاوى التى تُقَدَّم منهم، وهو مبدأ يمَارَسُ عملاً وله فاعلية أحيانًا، وبدون فاعلية -كما نرى الآن- فى معتقل جوانتانامو أو فى سجون أبو غريب الخاضعة للسيادة الفعلية للولايات المتحدة الأمريكية كقوة احتلال فى العراق.

     كذلك مع التسليم بأهمية مبدأ أن الأسير ليس رقيقًا، وقد رأينا أن الإسلام يقِرّ هذا المبدأ (فإما من بعد وإما فداء)، إلا أن وضع الأسير فى معتقل بشكل شبه دائم، وحرمانه من أن يحاكَم أو يفرَج عنه، تجعله فى وضع أشبه بالرقيق فعلاً، خاصة مع مراعاة الظروف الصعبة التى يوضع فيها الأسير، ومرة أخرى أشير إلى جوانتانامو.

      وأما بالنسبة للمبدأ الأخير، فيجب أن يُفْهَم أن النبى (صلى الله عليه وسلم) لم يتخلى عن الأسرى عندما وزعهم على أصحابه، مع توصيته برعايتهم والإحسان إليهم، فالأسير كان فى حماية الدولة والمسلمون يساهمون فى رعايته وكفالة حاجته؛ لأن الدولة الإسلامية لم تعرف المُعتَقلات ولا أماكن الحبس الجماعية التى توجد لدى الدول الآن.. وياليت دولنا لم تأخذ بهذه الأنظمة الغربية التى لا تعرف -فى جملتها- الرحمة بالناس، وجعلهم أحرارًا طلقاء، وإبعادهم عن التعذيب والقسوة التى لا يخلو منها أى سجن الآن.

الدوافع إلى الالتزام بأحكام قانون الحرب:

       تبحث الهيئة الدولية للصليب الأحمر عن الوسائل الفعالة لإشاعة قوانين الحرب، وجعل الشعوب تلتزم بها، خاصة القوات المقاتلة.

      والواقع أن وجود هذه القواعد والأحكام فى عقيدة الناس يجعلها تُحتَرَم؛ لأن فى الالتزام بها طاعة لله واحترام لأوامره، وهى مسائل يحرص كل ذو عقيدة على احترامها...

لكن لابد من الاهتمام بالعوامل الأخرى، مثل: قوة الالتزام بالقانون، خاصة القانون الدولي، والعمل على دمجه فى القوانين الداخلية؛ لكى يسرى عليه الالتزام بالقواعد القانونية، حيث يصبح منها مثل القوانين الداخلية.

       وإلى جانب ذلك، يجب التنبيه إلى قواعد لها أهميتها هنا، كالمعاملة بالمثل، أى أن الدول تخشى عادة إن خالفت هذه القواعد من قبل جنودها، أن يقوم الجنود من رعايا الدولة الأخرى إلى معاملة جنودها بالمثل.

      وهناك عامل مهم آخر، هو: المحاكمة الجنائية لمن يرتكب جرائم حرب، وقد أنشأ مجلس الأمن محاكم خاصة لمحاكمة مجرمى الحرب فى حالة البوسنة والهرسك، ونيكاراجوا، كما اتفقت الدول فى اتفاقية إنشاء محكمة دولية لجرائم الحرب بشكل عام فى روما عام 1998م، بعد جهود مضنية بُذِلت خلال عدة عقود بعد قيام الأمم المتحدة على محاكمة مجرمى الحرب بشكل عام، ومع ذلك فإن إحالة المجرمين من قِبَل الدول الكبرى -كالولايات المتحدة على وجه الخصوص- تكتنفه بعض الصعوبات؛ بسبب رفض هذه الدولة انطباق الاتفاقية على جنودها. ونقرأ الآن مقالات صحفية فى دول كبرى لا يرضيها أن يحاكم الغالب فى معارك حديثة -فى زعمها- من قبل المغلوب، وخلافا لقاعدة سادت دائمًا الحروب فى مختلف الأزمنة، هى قاعدة "ويل للمغلوب!!".

ثانيا:  القواعد التى تحكم سلوك المقاتلين

نجد العديد من هذه القواعد فى حروب الفرس، منها مثلاً قاعدة "عدم جواز قتل من لا يقاتلون". فأثناء غزوة حنين وجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) امرأة مقتولة والناس يجتمعون حولها، فسأل عمن قتلها، فأجابوه بأن الذى قتلها هو خالد بن الوليد، فأرسل له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحد المسلمين فورًا، وقال له (صلى الله عليه وسلم)أدرك خالدًا وقل له إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينهاك أن تقتل وليدًا أو امرأة أو عسيفًا".. والعسيف هو: الأجير أو العبد.

    ومن هذه القاعدة ردد الخلفاء فى وصاياهم للجنود هذه المعاني، فمثلاً عندما خرج أبو بكر الصديق يودع جيش أسامة الذى كان قد أقام بمكان قرب المدينة يقال له "ذو خشب"، وتوفى الرسول (صلى الله عليه وسلم) قبل أن يذهب أسامة بالجيش، وأمر أبو بكر الصديق بإنفاذه رغم معارضة البعض، وأصر أسامة أن ينزل ليركب أبو بكر، فقال أبو بكر الصديق -رضى الله عنه- "والله لا نزلتَ ولا ركبتُ". وأوصاهم أن لا يخونوا ولا يغدروا ولا يغلُّوا ولا يمثِّلوا ولا يقتلوا طفلاً أو امرأة أو شيخًا، وأن لا يحرقوا نخلاً ولا يقطعوا شجرة، ولا يذبحوا شاة ولا بعيرًا إلا لمأكله، وقال لهم: إذا مررتم بقوم تفرغوا للعبادة فى الصوامع فدعوهم وما تفرغوا له...

      ثم قال الصديق رضى الله عنه لأسامة: إن رأيت أن تأذن لعمر بالمقام عندى حتى أستعين برأيه على أمور المسلمين. فقال له أسامة: الأمر بيدك.

      ثم سار أسامة، فكان لا يمر بقبيلة انتشر الارتداد فيها إلا أرجعها، لقد كانت الرهبة تشيع فى أفئدتهم، موقنين أن المسلمين لو لم يكونوا من القوة بمكان لما خرجوا فى هذا الوقت بمثل هذا الجيش إلى الروم. ولما وصل أسامة بجيشه إلى بلاد الروم حيث قُتِل أبوه، قاتلهم ونصره الله عليهم ثم عادوا ظافرين .(1)

 وهذه من الوصايا التى تؤكد أهمية قائد الجيش، وبأن يكون هو محل الاهتمام الأول لكى ينتصر فى المعركة.

التمييز بين المحاربين وغير المحاربين:

     أول ما يتعلق بهذا الأمر هو تقسيم المحاربين إلى فئتين: الأولى: المقاتلين، والثانية: غير المقاتلين. فأهل القتال هم الجماعة التى تشارك عمليا فى القتال، وتتميز بالقدرة الفكرية والنظرية على المشاركة والمساعدة فى القتال، وهم: الشباب والرجال. وفئة غير المقاتلين تضم من ليس لهم القدرة على القتال أو المشاركة فى الحرب (من الناحية العملية والفكرية)، أو لا يشاركون فى الحرب عمومًا، مثل: النساء والأطفال والشيوخ والمرضى والجرحى والمكفوفين وأصحاب العاهات والمجانين والزهاد فى صوامعهم، ومن يتعبدون فى معابدهم بمختلف دياناتهم، وغيرهم ممن لا يتسبب عنهم أى ضرر. فالإسلام أجاز قتال الصنف الأول وحرّم قتال الصنف الثاني.

      جاء فى السنة الشريفة أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: "لا تقتلوا شيخًا فانيا ولا طفلا صغيرًا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين".

       وفى فتح مكة أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) -منذ البداية- ألا يتعرض أحد لجريح ولا يتابع فارّ (من فر هاربًا بحياته) ولا من جلس خلف باب بيته فلهم الأمان جميعًا (2)

ويروى عن ابن عباس رررضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان حين يرسل المجاهدين إلى مكان يقول لهم: "لا تقتلوا أصحاب الصوامع".

فضرورة تجنب غير المقاتلين وعدم المساس بهم.، من أهم أخلاقيات الحرب فى الإسلام.

حقوق المقاتلين:

          بعد إيضاح حقوق غير المقاتلين، نذكر أنه لا يجوز أيضًا قتال المقاتلين على إطلاقه هكذا بلا تحديد، فقد تم وضع حدود لمحاربة القادرين على الحرب والقتال بحيث يجب الالتزام بها، وفصلت هذه الحدود تفصيلاً دقيقًا:

1-  تجنب الهجوم المباغت:

كان من عادة العرب فى الجاهلية الهجوم فى الليل وخاصة فى الهزيع الأخير منه، حين يروح الناس فى سُبَاتٍ عميق، فمنع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه العادة، ووضع قاعدة مؤداها ألا يتم الهجوم على العدو قبل الصباح. ويذكر أنس بن مالك رضي الله عنه فيما يتعلق بغزوة خيبر أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان يتجنب الإغارة على الناس إذا وصلهم فى الليل حتى يصبح النهار.

2-  النهى عن المُثلة:

       نهى الإسلام قطعيا عن انتهاك حرمة جثث أفراد العدو وقطع أطرافها وما إلى ذلك. ويروى عبد الله بن يزيد الأنصارى -رضى الله عنه- فيقول: "نهى النبى (صلى الله عليه وسلم) عن النهب والمثلة" فقد كان من بين نصائحه (صلى الله عليه وسلم) لجنوده الذاهبين للجهاد: ألا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا" (رواه مسلم والترمذى وابن ماجه).وقد طبّق الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذا المبدأ فى سيرته بشكل أساس، كما طبقه المقاتلون من المسلمين بناء على هذه القواعد.

3- النهى عن قتل السفراء والرسل:

نهي (صلى الله عليه وسلم) عن قتل السفراء والرسل، وحين حمل قاصد بن الحارث -رسول مسيلمة الكذاب- رسالته المسيئة إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك".

    ومن هذا الأصل خرج الفقهاء بهذه الجزئية بأنه حين يصل شخص ما إلى الحدود الإسلامية ليقول: أنا فلان سفير حكومة كذا وأحمل رسالة إلى الحاكم المسلم، يسمحُ له بالدخول آمنًا، ولا يعامَلُ إلا بالحسنى، ولا يتم التعرض لماله أو متاعه أو خَدَمه أو حشمه أو حتى أسلحته، إلا فى حالة عدم ثبوت أنه سفير حقًا.(1)

النهى عن نقض العهود:

     وردت أحاديث عديدة فى النهى عن الغدر ونقض العهد والتطاول على من عقدت معهم معاهدة، وهى أحاديث تعبر عن أن هذا من أسوأ الذنوب فى الإسلام. يروى عن عبد الله بن عمر -رضى الله عنه- أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها لتوجد من مسيرة أربعين عامًا".

وفى حديث آخر يرويه عبد الله بن عمر -رضى الله عنه- أيضًا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "أربع خلال من كن فيه كان منافقًا خالصًا: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". (رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وأحمد بن حنبل).

ويروى عن عبد الله بن عمر أيضًا أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة" (رواه مسلم وأحمد بن حنبل).

      وحدث ذات مرة أن معاوية -رضى الله عنه- كان ذاهبًا لغزو الروم قبل أن تنتهى فترة معاهدة الصلح، وكانت نيته معقودة على الهجوم عند انتهاء فترة الصلح، إلا أن صحابيا يدعى عمرو بن عُتبة قال بأن الاستعداد للحرب وإرسال الجند إلى الحدود فى زمن الصلح هو نقض للعهد، وجرى إلى معاوية وهو يصيح: "الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر"، فسأل معاوية عن السبب فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهدًا ولا يشدنه حتى يمضى أمده أو ينبذ إليهم على سواء) (رواه أبو داود وأحمد بن حنبل)

5- منع الفساد والإفساد:

      كان من عادة العرب أنهم إذا خرجوا للقتال، ظلوا يضايقون كل من يصادفهم على الطريق، فإذا ما نزلوا فى مكان أو حلّوا به، كان من العسير على أحد المشى فى الطرقات، وجاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فمنع هذا الأمر، وحدث ذات مرة أن خرج للجهاد فوصلته شكوى من أن فساد زمان الجاهلية قد انتشر فى الجند وضاقت الأودية والطرقات على الناس، فنادى منادى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائلاً: من ضيق منزلاً أو قطع طريقًا فلا جهاد له" (رواه أبو داود وأحمد بن حنبل).

6- النهى عن الإحراق بالنار:

كان العرب وغيرهم يقومون بإحراق العدو انتقامًا منه، فمنع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا العمل الوحشى ونهى عنه، جاء فى الحديث الشريف أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: "لا ينبغى أن يعذب بالنار إلا ربُّ النار" (رواه أبو داود والدارمي).

    يقول أبو هريرة رضى الله عنه: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالخروج للجهاد وأمرنا إذا ما قابلنا فلانًا وفلانًا أن نحرقهم ولكن حين بدأنا السير نادى وقال: "إنى أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما".

     وذات مرة عذّب على -رضى الله عنه- الزنادقة بالنار، فأوقفه ومنعه عن ذلك ابن عباس -رضى الله عنه- ذاكرًا حكم رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "لا تعذبوا بعذاب الله"..

7-  النهى عن قتل الصبر:

      نهى النبى (صلى الله عليه وسلم) عن قتل العدو بعد ربطه أو إيذائه، ويقول عُبَيد بن يعلى: خرجنا للقتال مع عبد الرحمن بن خالد، وحدث أن ورد إليه أربعة من جيش الأعداء، فأمر بتقييدهم وقتلهم، وحين عرف بذلك أبو أيوب الأنصارى -رضى الله عنه- قال: "سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهى عن قتل الصبر، فوالذى نفسى بيده لو كانت الدجاجة ما صبرتها فبلغ عبد الرحمن ابن خالد بن الوليد فأعتق أربعة رقاب"، أي: كفارة عن ذنبه.

8-  النهى عن السلب والنهب:

      بعد عقد الصلح فى غزوة خيبر خرجت بعض عناصر جند المسلمين عن طوعها، فبدأت فى السلب والنهب، فحضر زعيم اليهود إلى النبى (صلى الله عليه وسلم) وقال له: يا محمد ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا؟! وهنا أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال فى مناسبة أخرى: "إن تفرقكم فى هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم الشيطان".

ويقول أبو ثُعلبة خُشَي: وبعد ذلك حين كان ينزل جند المسلمين فى مكان ما كانوا وكأنك لو أعطيتهم غطاء لكفاهم. أي: لاحتواهم جميعًا.

9- النهى عن الصياح وإثارة الفوضي:

كانت الفوضى والصياح والعويل والضجيج والصراخ هو الطابع العام الذى ساد حروب العرب حتى أطلق على الحرب مصطلح "الوغى"، وبعد مجيء الإسلام أراد العرب اتباع نفس الأسلوب، إلا أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهى عن هذا الأمر.

يقول أبو موسى الأشعري رضي الله عنه:"كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبّرنا وارتفعت أصواتنا، فقال النبى (صلى الله عليه وسلم): "يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا غائبًا إنه معكم سميع عليم"..

إرشادات عامة لمنع الأعمال الوحشية:

    جاء النبى (صلى الله عليه وسلم) بأسلوب للإرشاد والهداية فيما يتعلق بالسلوك الحربى ساعة إرسال الجنود، لم يدر عنه العالم المتحضر شيئًا حتى أواسط القرن التاسع عشر، هذا الأسلوب جاء به النبى العربى الأمي، وتقرر القاعدة أن النبى (صلى الله عليه وسلم) كان حين يرسل قائده إلى الحرب ينصحه وجنوده بتقوى الله والخوف منه، ويقول: "اغزوا باسم الله وفى سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا" (رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه والدارمي، وفى الموطأ وأحمد بن حنبل)

     ثم يخبر جنده أن يعرضوا على العدو ثلاثة أمور: أولاً: الإسلام، ثانيا: الجزية، ثالثًا: الحرب. فإذا قبل العدو الإسلام فقد أمن، وإذا قبل دفع الجزية فلا يعتدى على ماله أو روحه، ولكن إذا رفض دفع الجزية فقاتلوه بعون من الله.

     وحين أرسل خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأول: أبو بكر الصديق -رضى الله عنه- جيوشه إلى الشام قدم لهم عشر نصائح، وهي:

1-  لا تقتلوا امرأة ولا طفلاً ولا شيخًا.

2-  لا تُمثِّلوا.

3- لا تؤذوا راهبًا أو عابدًا ولا تهدموا معبدًا أو صومعة.

4- لا تقطعوا ثمرًا ولا تقلعوا شجرًا أو تحرقوا زرعًا.

5- لا تخرِّبوا عامرة.

6- لا تقتلوا دابة.

7- ابتعدوا عن نقض العهود ولا تنقضوا عهدًا.

8-  احترموا أرواح من يطيعونكم وأموالهم احترامكم لأرواح المسلمين.

9- لا تخونوا فى أموال الغنيمة.

10- لا تولوا الأدبار فى الحرب.

      وحين أرسل أبو بكر -رضى الله عنه- الجند إلى الشام والعراق، جاء من بين ما نصحهم لهم "ألا يخربوا قرية وألا يحرقوا زرعًا"، ولا شك أنه إذا اقتضت الضرورة الحربية اقتلاع شجرة أو حرقها لتطهير ميدان القتال سمح بذلك، مثلما حدث فى حصار بنى النضير، إلا أنه اتفق على المنع والنهى عن هذا الأمر وإن تم فيجب ألا يتم بنية التخريب المحض.

      وحاول المعارضون إلصاق تهمة التخريب بالمسلمين، مدعين أن الإسلام يسمح بالتخريب فى الحرب، متخذين من حادثة غزوة بنى النضير دليلاً، بل من بين بعض محدثينا من فهم ذلك على أنه دليل للسماح بحرق الدور والنخيل، إلا أن البحث فى الوقائع يثبت أن قطع نخيل بنى النضير وإحراقه كان على أساس الضرورة العسكرية فقط، ولم يكن الهدف منه مطلقًا الإضرار بالعدو أو الانتقام منه، فالشجر الذى قُطع كما جاء فى القرآن الكريم صراحة نوع معين من النخيل يطلق عليه "لينة" يقول الله تعالى: )مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِى الْفَاسِقِينَ ( [الحشر:5]، وطبقًا لقول سهيل أن بنى النضير ما كانوا ليستخدموا هذا البلح فى طعامهم، بل كانوا يستخدمونه فى عمل "العجوة"و"البرني".. يقول العلامة ابن حجر: "قال السهيلى فى تخصيصها بالذكر إيماء إلى أن الذى يجوز قطعه من شجر العدو ما لا يكون معدًا للاقتيات؛ لأنهم كانوا يقتاتون العجوة والبرنى دون اللينة"(1)

ثم إن نوعية الحادثة ذاتها لم تكن كما هى كذلك، فقد رأى عامة الرواة أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان موجودًا فى الحصار، وأن الجند قاموا فى وجوده بقطع النخيل وإحراقه، فخرجوا بنتيجة مفادها أن هذا العمل تم بإذنه، إلا أن ابن عباس رضي الله عنه صرّح بوضوح أن المسلمين اضطُّروا مع الحصار إلى قطع النخيل والبدء فى إحراقه، ثم أدرك أنه لا يدرى ما هو حكم الشرع فى هذا العمل: (هل لنا فيما قطعنا من أجر وهل علينا فيما تركنا من وزر؟)، وهكذا ذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستفتيه فنزلت هذه الآية:  (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا) [الحشر:5].

      وروى جابر -رضى الله عنه- أيضًا هذه الرواية، فبعد قطع الشجر سأل الناس رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يا رسول الله، هل علينا إثم فيما قطعنا أو علينا وِزر فيما تركنا؟ فنزلت هذه الآية: )مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا( [الحشر:5] ويؤيد مجاهد هذا القول فى تفسيره للآية المذكورة، فقد بدأ بعض المهاجرين فى قطع الشجر وترك بعضهم بعض الشجر، ولهذا نزلت هذه الآية لتقر العمل الذى قام به كلا الفريقين، ومعنى الآية طبقًا لهذا التفسير: أنه من قطع لينة وفى نيته أن القطع سيكون له تأثيره فى الحصار فهو على حق ومن لم يفعل معتقدًا أن هذا يثير الفتنة فترك هذا العمل فهو على حق أيضًا؛ لأن كلا منهما اتبع حكم الله.

   أما بحث محمد بن إسحاق فيتلخص فى أنه فى غزوة بنى النضير حين بدأ تقطيع النخيل أرسل بنو قريظة قائلين: "يا محمد إنك تمنع الفساد، وتقول إنك جئت للإصلاح، فلماذا تقطع هذا النخيل؟ هل هذا إصلاح؟ وعليه ظل النبى والمسلمون معه يتفكرون، فطمأنه الله وأنزل هذه الآية )مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا( [الحشر:5]، أي: ما قطعتموه وما تركتموه إنما كان بإذن من الله.

وعلى كل حال، فقد ثبت من بحث الأحداث والوقائع وفحصها أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يأمر بقطع الشجر، بل قام الجند انطلاقًا مما اقتضاه وضع الحصار بقطع بعض الشجر دونما إذن، وأقر الله -تبارك وتعالى- صحة هذا العمل فيما بعد؛ لأن نية قاطعى الشجر لم تكن أصلاً قائمة على التخريب والإفساد، وقد خرج بعض الفقهاء بهذه النتيجة، ومفادها: أن الجواز إنما كان لهذه المناسبة فقط، ولا يمكن أن تخرج من هذا الحكم الخاص بحكم عام يعطى الحق فى قطع أشجار العدو وإحراقها حين تستلزم الضرورة العسكرية ذلك، وقد ذهب إلى ذلك الإمام الأوزاعى والليث وأبو ثور، إلا أن الجمهور -جمهور الباحثين- يرى أن هذا العمل جائز إذا ما اقتضت الضرورة المحضة ذلك من أجل صالح المستلزمات العسكرية، أما نية التخريب والإغارة فقد اتفق الجميع على تحريمها وعدم جوازها.

ثالثا: الأسلحة المحرمة فى الإسلام

من القواعد الحديثة للقانون الدولى الإنساني: أن المحارب ليس حرًا فى استخدام أى سلاح، بل يجب أن يراعى مبادئ الإنسانية فى استخدام الأسلحة، ومن ثم فقد استقر القانون الدولى الإنسانى على تحريم الأسلحة التى تحدث أضرارًا لا مبرر لها بالإنسان، أو التى تؤدى إلى زيادة معاناته. وتتطور هذه القائمة بالأسلحة المحظورة كلها، حيث طور الإنسان السلاح الذى يستخدمه، وإن كان الحظر -فى رأيي- نظريا، أن إسرائيل -على سبيل المثال- مازالت تستخدم أسلحة محظورة، مثل: القنابل العنقودية والبلاستيكية، وكذلك تستخدم هى وأمريكا أسلحة حارقة، كالنابالم، وتلقى بأطنان من القنابل على الضحايا كما حدث فى أفغانستان.

     ورغم أن الإسلام لم يعرف هذه الأسلحة، إلا أن قواعده تمنع من استخدامها، نقيس على ذلك خطر النابالم وكافة الأسلحة الحارقة، وكذلك نقيس الأسلحة الكيماوية والميكروبية، على منع الإسلام لاستخدام السيف المسمم والرمح والسهم المنقوع فى السم.(1)

 

*  *  *


الخـــــاتمــــة

          اقتضى إعداد هذا البحث أن نعيش أياما وليالي مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) من خلال سنته وسيرته، وقبل ذلك مع سور وآيات من القرآن الكريم، (المصادر الرئيسية لفكرنا وفقهنا وعقيدتنا وشريعتنا) . وكلما تعمقنا في الدراسة والبحث، أحسسنا بأننا نحتاج إلى المزيد.

      لقد أقتربنا من حياة رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) كما روى في كتب سابقة بذل مؤلفوها جهوداً كبيرة في استقصاء الخبر، وتوثيقه، ثم كتابته حتى وصلنا بعد قرون من بعثة الرسول (صلى الله عليه وسلم)...

    ولقد بذلت قصارى جهدي في هذه الأوراق لاستخراج الروايات والأخبار التي توصلني إلى قاعدة أخلاقية، سواء ظلت في الإطار الأخلاقي أم وصلت إلى حد الإلزام كحكم شرعي (واجب أو حرام أو مندوب أو مكروه، أو مباح بلغة أصول الفقه).

ولقد سرت على هذا الدرب في هذا البحث، أنقب في الكتب، لأرى ما يوجد فيها من قواعد أخلاقية أو أحكام شرعية منذ فترة إعداد الرسول (صلى الله عليه وسلم) للمهمة الصعبة التي سيكلف بها بعد البعثة وكذا بعد إقامته للدولة .

     لقد هداه الله سبحانه وتعالى إلى مكارم الأخلاق وإلى اتباع الحق والعدل في صراعات هذه الحياة الكبرى، وفي تدافع الخير والشر منذ أن بدأت الحياة على هذه الأرض .

         كما استخلصنا فيه القواعد والأحكام المنظمة لشن الحرب، (أي متي نحارب ومتي نكف عن الحرب)، بعبارة أخرى تناولنا الأحكام والأخلاقيات التي حكمت والأسباب والدوافع التي تحكم الحرب في الإسلام، ورأينا أنها لا تخرج عن الدفاع عن النفس، والدفاع عن الدعوة، والدفاع عن المستضعفين في الأرض..

     كما وقفنا عند الأساليب والوسائل التي تحكم الحرب في الإسلام ,وأخلاقيات الحرب كما تجلت فى غزوات الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والأخلاقيات التى وضحت فى السيرة النبوية لضبط سلوك المقاتلين، والتعامل مع ضحايا الحرب، فالمسلم ليس حرا في اختيار من يقاتله من الأشخاص ولا من يقاتل به من سلاح, ولا ما يقوم بضربه من أماكن وأشياء .

إنه سياج كامل وضعه الإسلام في التحكم في سلوك المقاتلين في الحرب ,وهو ما يجعل السياج الاخلاقى الكامل يحيط بالعمليات الصعبة التي تضطر الدول والشعوب إلى خوض ثمار الحروب , فإذا كانت الحروب ضرورية فلا بد أن تكون إنسانية. إن القتال كتب على المسلمين وهو كره لهم , لكنه قد يكون الحل الوحيد لحياة كريمة طيبة , لذا يتجلى الجانب الاخلاقى في أساليب القتال أكثر مما يتجلى في الجوانب الأخرى .

      إن التنظيم الدولى المعاصر يبذل جهدا كبيرا في سبيل مواجهة الحروب الحديثة, وهو يصنع مناهج لتحقق السلام في ميثاق الأمم المتحدة وهو منهج التسوية السلمية للمنازعات ومنهج الأمن الجماعى, ومنهج نزع السلاح, والمنهج الوظيفي وقد رأينا أن تخضع هذه المناهج للدراسة , وبينا موقف الإسلام فيها, باعتبارها تقوم على أسس أخلاقية , كما رأينا أن نقارن بين أسباب الحرب في الإسلام والقانون الدولي, ولم نهمل أن نشير إلى الجهود التي بذلت من جانب الهيئة الدولية للصليب الأحمر, والقانون الدولي المعاصر لتجنيب الشعوب ويلات الحروب والمأسى التي ترتبط بها وخاصة في ظل التقدم الهائل في الأسلحة ووسائل القتال .

          إن دراسة أخلاقيات الحرب في سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) تفيد المجتمعات الإسلامية, وغيرها من المجتمعات في العديد من النواحي هي:

1-             تطوير قواعد القانون الدولي الإنسانى وتزويده بالمبادئ الأخلاقية السامية التي شرعها الإسلام

2-             بلورة الطريقة التي يمكن أن تطبق بها هذه القواعد في الواقع العملي وأثناء كارثة القتال .

3-      الوعي بأهمية عدم استخدام السلاح إلا في حالة الضرورة القصوى وعندما تنعدم الوسائل الأخرى للدفاع عن الدعوة والدولة والدين والعقيدة .

4-             الرد على المزاعم الباطلة التي ترى أن الإسلام قام على حد السيف وانتشر في مختلف أنحاء العالم بالقوة .

5-             الرد العملي على المزاعم التي تروج عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأنه يعشق العنف ولا يحب السلام.

وبعد , فإننا نأمل أن نكون قد أدينا بعض الواجب لديننا ولرسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي أرسله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور..

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

أ.د/ جعفر عبد السلام علي

أستاذ القانون الدولى بجامعة الأزهر الشريف

الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية


 

 

المصادر والمراجع العربية

1.    "الإسلام في مواجهة الإرهاب"، نشر: رابطة الجامعات الإسلامية، عام 2005م.

2.    "الأم" للإمام الشافعي، جـ4

3.    الإسلام وحقوق الإنسان "، رابطة الجامعات الإسلامية 2002م دار محيسن للطباعة والنشر .

4.    الإسلام والغرب : صراع في زمن العولمة لمجموعة من كتاب العربي - كتاب العربي94 يوليو 2002..

5.    اتحاد الجمهوريات العربية المتحدة، للدكتور جعفر عبد السلام بالاشتراك مع المرحوم الدكتور محمد حافظ غانم، والدكتور وفيق أبو أتلة، نشر: الجمعية المصرية للقانون الدولي، القاهرة عام 1971،.

6.    أحكام الحرب والحياد في الإسلام للدكتور جعفر عبد السلام ضمن سلسلة مطبوعات رابطة الجامعات الإسلامية 2004م.

7.    آثار الحرب في الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي دار الفكر، بيروت 1965م. 

8.    "إسهام الفقه الروماني في القانون الدولي"، للدكتور جعفر عبد السلام محاضرة ألقيت في جامعة نور فرجانا بروما، منشورة بمجلة الجامعة، مايو 2007م.

9.    الإطار القانوني للتنمية الاقتصادية للدكتور جعفر عبد السلام، نشر مركز البحوث والتنمية، جامعة الملك عبد العزيز، جدة 1977م.

10.    البداية والنهاية لابن كثير مكتبة المعارف، بيروت - لبنان ط 2 1141 هـ- 0991م.

11.    تاريخ حضارة اليونان والرومان، د. حسين الشيخ دار المعرفة الجامعية، إسكندرية 1987م.

12.    التسوية السلمية للمنازعات"، رسالة محمد الشحات، كلية الشريعة جامعة الأزهر.

13.    -تطوير الخطاب الديني دراسة، للدكتور جعفر عبد السلام، منشورة في سلسلة  فكر المواجهة.التي تصدرها رابطة الجامعات الإسلامية -2002م

14.    تفسير القرآن العظيم، ابن كثير

15.    حقوق المدنيين تحت الاحتلال الحربي، للدكتور محيي الدين عشماوي، القاهرة 1972.

16.    حياة محمد،السير وليم موير

17.    حياة محمد، لمحمد حسين هيكل، طبعة دار المعارف بالقاهرة.

18.    خاتم النبيين" للشيخ محمد أبو زهرة، الناشر: دار الكتب الحديثة، القاهرة عام 1975م..

19.    الخطر الإسلامي .. حقيقة أم أسطورة، جزن سبوزيتو،  ترجمة إلي العربية د قاسم عبده قاسم، ونشرته: دار الشروق.

20.    دراسات في السيرة النبوية / محمد سرور بن نايف زين العابدين، برمنغهام : دار الأرقم بالمملكة المتحدة 1993م.

21.    دراسات قومية وسياسية، د. طه بدوي، أ.د/طلعت الغنيمي.

22.    دراسة وثيقة تأسيس الدولة الإسلامية- للدكتور جعفر عبد السلام،المجلة المصرية للقانون الدولي.

23.    الرحيق المختوم : بحث في السيرة النبوية / تأليف صفي الرحمن المباركفوري، القاهرة : دار الحديث، 2002م – 1423 هـ.

24.    - الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام / لعبد الرحمن السهيلي (581هـ)، تحقيق وتعليق عبد الرحمن الوكيل، القاهرة : دار الكتب الحديثة  1970

25.    - السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ابن تيمية د.ت .

26.    - السيرة النبوية / ابن كثير (1373/774) (عماد الدين) (أبو الفداء) إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي.

27.    - السيرة النبوية / لابن جرير الطبري (310هـ) ؛ تحقيق جمال بدران   القاهرة : الدار المصرية اللبنانية 1994.

28.     - السيرة النبوية / لأبي محمد عبد الملك بن هشام المعافري (218هـ) ؛ تقديم ومراجعة صدقي جميل العطار ؛ تحقيق وتعليق سعيد محمد اللحام ؛ باشراف محمد بنيس، الدار البيضاء : دار المعرفة ب المغرب: 1998  ـ1418 .

29.    - السيرة النبوية / لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (597هـ) القاهرة : دار الصفا 1991م.

30.    - "السيرة النبوية الصحيحة" أكرم ضياء العمري،جامعة قطر، مركز بحوث السنة والسيرة 1991م، الجزء الثاني.

31.    - شخصية مصر"، الجزء الأول للمرحوم جمال حمدان: طبعة عالم الكتب.

32.    - شرح الدرر السنية في نظم السيرة النبوية / تأليف علي بن محمد الأجهوري المالكي (1066هـ) ؛ تحقيق إبراهيم ربيع محمد، منى شحاته حسن، مراجعة علي جمعة محمد، القاهرة : المجلس الأعلى للشئون الإسلامية 2001م : 1422هـ.

33.    - شومو. في محاضراته العامة  بأكاديمية لاهاي 1970 المجلد الأول.

34.    - "الطريق إلي السلام"،. د. راشد البراوي، د.ت.

35.    - ظاهرة الإسلام فوبيا مقدمة إلى مجمع الفقه الإسلامي العالمي في دورته التي عقدت  يوليو 2007 في دولة ماليزيا .

36.    - العلاقات الدولية في الإسلام علي ضوء الإعجاز البياني في سورة التوبة، كامل سلامة الدقس دار الشروق 1975.

37.    - الغرب ضد العالم الإسلامي من الحملات الصليبية حتى أيامنا، للعالم السوفيتي بونداريفسكي، دار التقدم - موسكو 1985.

38.    - فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي.

39.    - "فقه السيرة النبوية" محمد سعيد رمضان البوطي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة..

40.    - فقه السيرة النبوية، لمنير محمد غضبان، سلسلة بحوث الدراسات الإسلامية (5)، مطابع جامعة أم القري، الطبعة الخامسة 1419هـ-1999م..

41.    - في رحاب السيرة والسنة: السيرة النبوية في القرآن الكريم، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب  1998 .

42.    - في السيرة النبوية / هشام جعيط، بيروت : دار الطليعة 2000 . ...

43.    -  القانون الدولي العام، شارول روسو...

44.     -  القانون الدولي، أوبنهايم الجزء الثاني

45.    - القانون الدولي العام، عبد العزيز سرحان طبعة 1969.

46.    - القانون الدولي العام، قضايا نظرية، أ. توتكين،  الهيئة المصرية العامة للكتاب.

47.    - القانون الدولي الإنساني وحماية ضحايا الحرب، جان يكتبه معهد هنري دونان .

48.    - مبادئ القانون الدولي، حافظ غانم  1986م.

49.    - مبادئ القانون الدولي العام"، للدكتور جعفر عبد السلام، الطبعة السادسة 2003م، دار النهضة العربية.

50.    - المجتمع الإسلامي والعلاقات الدولية، لمحمد الصادق عفيفي مكتبة الخانجي.

51.    - المجلة العامة للقانون الدولي جورج سل عام 1983م..

52.    -محمد رسول الله"، مولاي محمد علي ترجمة: عبد الحميد جودة السحار، القاهرة.

53.    - المستشرقون والسيرة النبوية: بحث مقارن في منهج المستشرق البريطاني المعاصر مونتغمري وات / عماد الدين خليل 1985 .

54.    معجم السيرة النبوية: أول معالجة علمية لفهرسة وتصنيف السيرة النبوية على حروف المعجم / تأليف ثروت محمد سليمان، القاهرة : 1996ـ .

55.    مغني المحتاج، الخطيب الشربيني، جـ4 .

56.    - المنظمات الدولية، للدكتور جعفر عبد السلام، الناشر: دار النهضة العربية.

57.    - المؤتمر العالمي الرابع للسيرة والسنة النبوية والمؤتمر العاشر لمجمع البحوث الإسلامية : 18-24 صفر 1406 هـ / 1-8 نوفمبر 1985م / مجمع البحوث الإسلامية .

58.    - ندوة السيرة النبوية تأليف عبد الحميد الهرامة، محمد فتح الله الزيادي، محمد التركي التاجوري، طرابلس الغرب: جمعية الدعوة الإسلامية العالمية 1986م : 1395  هـ.

59.    - نظام الدولة في الإسلام للدكتور جعفر عبد السلام ضمن سلسلة مطبوعات رابطة الجامعات الإسلامية 2006م..


المراجع الأجنبية

60.  )H. WEHBERG. P.

61.  Brounline, International Law and the use of force by states oxford, 1968, p.3  .

62.  الله Muslim conduct of State .-

63.  -Annual Digest of Public International Law caes, 1927, p. 8

64.  - Economic aggression .

65.  - A. V. W. Thomas, A. J. Thomas, The concepts of aggression in International Law, Southern nethodist university Press, Dallas 1972, B. 90.

66.   Reprisal.

67.  - A. V. W. Thomas, A. J. Thomas, The concepts of aggression in International Law, Southern Methodist university Press, Dallas 1972, B. 90.

68.  (1) Reprisal.

69.  -Annual Digest of Public International Law caes, 1927, p. 8.

70.  M. Sahovic, Principles of International Law concerning Friendly relations and cooperation, Belgrade 1972, P. 54.

71.  Paul Guggenheim : Traite de droit international public Iome. II. librairie dep, universite de Geneve 1954. p. 296.

72.  - Zourek : Recueil des cairs. P. 766.

73.  - A. J. I. L. 1926. vol. 20. nos 1 and 2 p. 22,.

74.  (2 Quincy Right, The Meaning of the Pact of Paris A.J.I. L, vol 27, 1933, P. 39.

75.  . Ch. Rorseau, Droit International Public, Dalloz 1956 P

76.  : the spirit of Islam by sayed Ameer Alt.

77.  Life Of Mahomet by Washington Irving.

78.  Life of Mohamed by Sir William Mutr

79.  The Prophet Of The desert by Khaled Goba.

80.  Mohammed by Margaliouth.

81.  Heros and Hero worship by Thomas Carlyle

82.  La Vie de Mahomet par Emile Dermenghem.

83.  Essai sur l’histoire des Arabes par Caussin De Perceval.

84.  L’islam par Lammens.

85.  Lse Grans Irities par Edouard Schure.

86.  Dictionnaire Larousse Art. Mahomet.

87.  Encyclopaedia Britannica Art Mahomet.

88.  Historian’s History of The World.

 

 



(1) - راجع للمؤلف: "مبادئ القانون الدولي العام"، الطبعة السادسة 2003م، دار النهضة العربية، ص67 . ومؤلف "أحكام الحرب والحياد"، رابطة الجامعات الإسلامية، 2005م، ص60 وما بعدها.

(1) - راجع: "فقه السيرة النبوية" محمد سعيد رمضان البوطي، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ص156-157

(1) - روي ابن هشام في سيرته حديث الحباب بن المنذر هذا عن ابن إسحاق عن رجاله من بني سلمة، فهي فيما رواه ابن هشام رواية عن قوم مجهولين. وذكر الحافظ بن حجر هذا الحديث في "الإصابة" فرواه عن ابن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وغير واحد في قصة بدر. وهذا سند صحيح والحافظ بن حجر ثقة فيما ينقل ويروي. (راجع: "الإصابة": 1/202

(2) ابن هشام: 1/502، وزاد المعاد: 2/87، وحديث استغاثة الرسول بربه في غزوة بدر متفق عليه

(2) - ابن هشام: 1/502، وزاد المعاد: 2/87، وحديث استغاثة الرسول بربه في غزوة بدر متفق عليه

(1) - راجع: "فقه السيرة النبوية" محمد سعيد رمضان البوطي، مرجع سابق، ص157-158 .

(1) - راجع: سيرة ابن هشام، جـ3 ص35، طبقات ابن سعد جـ4 ص400، سعيد البوطي: "فقه السيرة"، ص284، "فقه السيرة" للشيخ محمد الغزالي، ص298 حيث يقول: "كانت هذه القسمة مبنية على أسباب حكيمة، فإن في الدنيا أقوامًا كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم، كما تهدي الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم.. كذلك فهذه الأصناف من البشر تحتاج إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان" .

(1) - يراجع النص كاملاً في كتاب "حياة محمد" لهيكل، ص356

(2) - الحديث سبق تخريجه..

(1) - راجع: سيرة ابن هشام، جـ3 ص309، وراجع: محمد حسين هيكل "حياة محمد"،، ص357 وما بعدها.

(1) – راجع هذا القول محمد حسين هيكل في كتابه "حياة محمد"، المرجع السابق، ص 137 وما بعدها.

(2) - راجع: ابن هشام جـ2 ص312،.

(1) - راجع للمؤلف: "مبادئ القانون الدولي"، مرجع سابق، ص388، وراجع دراسة للشيخ محمد العدوي في الرد علي هذا المدعي، منشورة في مجلة "الجامعة الإسلامية" التي تصدرها رابطة الجامعات الإسلامية، العدد 37، ص 143

(1) - أوردت هذه الحادثة كافة كتب السيرة القديمة والحديثة، مثل: ابن هشام، وطبقات ابن سعد، وحللتها الكتابات الحديثة، مثل: فقه السيرة للغزالي، ولمحمد سعيد البوطي، ومحمد حسين هيكل

(1) - جاء في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة: نحن شعوب العالم وقد آلينا علي أنفسنا أن ننقذ الإنسانية من ويلات الحرب التي جلبت علي الإنسانية - مرتين خلال جيل واحد- أحزانًا يعجز عنها الوصف فمن الدوافع الأساسية لإبرام ميثاق الأمم المتحدة هو  ما قاسته الشعوب في هذه الحرب من أهوال، تمثلت في مقتل قرابة خمسين مليونًا من البشر، وجرح أضعاف هذا الرقم، فضلاً عن ملايين الغرقي والمرضي بأمراض عضوية وعقلية ونفسية. وهو نفس الدافع الذي جعل الدول تهتم بعقد اتفاقيات جنيف، لتطوير وتحسين معايير القانون الدولي في المجال الإنساني، في ضوء الدروس المستخلصة من الحرب.

وقد انعقد في جنيف فيما بين 12 نيسان أبريل و 21 آب أغسطس 1949 ”المؤتمر الدبلوماسي لوضع اتفاقيات دولية لحماية ضحايا الحرب“ الذي دعا إليه المجلس الاتحادي السويسري بوصفه راعيًا لاتفاقيات جنيف. ومُثِّلت في هذاالمؤتمر رسميًا ثلاث وستون دولة، من بينها تسع وخمسون دولة أوفدت مفوضين للمناقشة، وأربع حكومات أوفدت مراقبين، ودعي خبراء اللجنة الدولية للصليب الأحمر للاشتراك بصورة فعالة في أعمال المؤتمر. وبعد أربعة شهور من المداولات المتصلة والمتعمقة، توصل المؤتمر إلي اعتماد الاتفاقيات الأربع التالية:

الاتفاقية الأولي: اتفاقية  جنيف لتحسين حال الجرحي والمرضي بالقوات المسلحة في الميدان، المؤرخة في 21 آب/أغسطس 1949م.

الاتفاقية الثانية: اتفاقية جنيف لتحسين حال جرحي ومرضي وغرقي القوات المسلحة في البحار، المؤرخة في 21 آب/أغسطس 1949م.

الاتفاقية الثالثة: اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسري الحرب، المؤرخة في 21 آب/أغسطس 1949م.

الاتفاقية الرابعة: اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، المؤرخة في 21 آب/أغسطس 1949م.

وانتظم المؤتمر -في سبيل إنجاز عمله بنجاح- في أربع لجان: اللجنة الأولي لمراجعة الاتفاقيتين الأولي والثانية، واللجنة الثانية لمراجعة الاتفاقية الثالثة (أسري الحرب)، واللجنة الثالثة لوضع الاتفاقية المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين، وأخيرًا، اللجنة المشتركة  لدراسة الأحكام المشتركة بين الاتفاقيات الأربعة، واجتمعت لجنة التنسيق ولجنة الصياغة معًا قرب نهاية المؤتمر لتنسيق الصكوك الأربعة. وشكلت اللجان عند الاقتضاء مجموعات عمل.

وفي الجلسة الختامية، وقعت وفود الدول التالية الوثيقة الختامية للمؤتمر: اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، أثيوبيا، الأرجنتين، أسبانيا، استراليا، إسرائيل، أفغانستان، إكوادور، ألبانيا، أوروجواي، جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية، إيران، أيرلندا، إيطاليا، باكستان، البرازيل، البرتغال، بلجيكا، بلغاريا، بورما، بولندا، بيرو، جمهورية بيلوروسيا الاشتراكية السوفياتية، تركيا، تشيكوسلوفاكيا، الدانمارك،، رومانيا، سوريا، السويد، سيام، شيلي، الصين، جواتيمالا، فرنسا، فنلندا، الكرسي الرسولي، كندا، كوبا، كوستاريكا، كولومبيا، لختنشتين، لبنان، لكسمبورج، مصر، المكسيك، المملكة المتحدة، موناكو، النرويج، النمسا، نيكاراجوا، نيوزيلندا، الهند، هنغاريا، هولندا، الولايات االمتحدة الأمريكية، يوغوسلافيا، اليونان، سويسرا.

ووقع سبعة عشر وفدًا كذلك الاتفاقيات الأربع، ووقعتها أربع وأربعون دولة أخري خلال المدة المحددة وهي ستة شهور، التي انتهت في شباط/فبراير 1950م.

ويبدأ نفاذ الاتفاقيات إزاء أي طرف سام ٍمتعاقد بعد ستة شهور من تاريخ إيداع صك تصديقه عليها. ويبلغ عدد الدول الأطراف في الاتفاقيات في الوقت الحاضر 146 دولة.

(1) - أبو داود، "جمع الفوائد": 2/09.

(1) - راجع: فقه السيرة، لمحمد سعيد رمضان البوطي، دار السلام للطباعة والنشر  والتوزيع، الطبعة السادسة 1999، ص 691.

(1) - أقام اليهود الدنيا ولم يقعدوها عن أسراهم الذين أحرقهم النازي، واعتبروا أن أي تشكيك في المحرقة بمثابة جريمة دولية، جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، ومن الغريب أن تسايرهم الدول الغربية حيث صدر قانون من الولايات المتحدة يلزم بعقاب كل من يعادي السامية، وتعتبر التشكيك في المحارق التي ارتُكِبَت بحقهم -كما يزعمون- من الجرائم الواجب العقاب عليها.. ومن قبل انساقت فرنسا وراء مزاعمهم وحاكمت روجيه جارودي لهذا السبب، وحُكِم عليه بالسجن الذي استُبْدِل بغرامة كبيرة أمام محكمة الاستئناف لمجرد تشكيكه في أساطير المؤسسة الصهيونية.

(1) - راجع: كتاب "الأم" للإمام الشافعي، جـ4، ص137 .

(1) - راجع: فقه السيرة النبوية، لمنير محمد غضبان، سلسلة بحوث الدراسات الإسلامية (5)، مطابع جامعة أم القري، الطبعة الخامسة 1419هـ-1999م، ص 558 .

(1) – راجع مؤلف جان يكتبه: القانون الدولي الإنساني وحماية ضحايا الحرب، معهد هنري دونان، جنيف 1986،ص 34،35 .

(1) - راجع: فقه السيرة، لمحمد سعيد رمضان البوطي، دار السلام للطباعة والنشر  والتوزيع، الطبعة السادسة 1999، ص 531 .

(2) - فتوح البلدان، ص74.

(1) - كتاب الخراج، ص611، وراجع لأبي الأعلي المودودي "أحكام الحرب والجهاد في الإسلام".

(1) فتح الباري، جـ7، ص432.

(1) - فتح الباري، جـ7، ص432.

(1) - راجع: "شرح السير الكبير" للسرخسي، المجلد الثالث، ص183 . وراجع: محمد حميد الله Muslim conduct of State

قم بإضافة تعليق


الأسم
البريد الاكترونى
التعليق




   
اتصل بنا | التعريف بالرابطة | الرئيسية
جميع الحقوق محفوظة لرابطة الجامعات الاسلامية © 2009
Designed by : Wael Elalfy & Developed by : Elsawaf Soft